قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ } ؛ معناه: وقد تجاوزَ اللهُ من تولَّى النبيَّ صلى الله عليه وسلم إذْنَهُ للمنافقين بالتخلُّف ، كما قَالَ اللهُ تَعَالَى: { عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ } [التوبة: 43] ، وتجاوزَ عن ذُنوب المهاجرين والأنصار.
وَقِيْلَ: أراد بذلك قومًا منهم تخلَّفُوا عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثم خرَجُوا فأدركوهُ في الطريقِ. وقولهُ تعالى: { الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ } صفةُ مدحٍ لأصحاب النبيِّ صلى الله عليه وسلم باتِّباعِهم إياهُ في وقت الشِّدةِ في غزوة تبوك ، وكانت بهم العُسْرَةُ في النفقةِ والرُّكوب والحرِّ والخوف ، وكانت الدابةُ الواحدة بين جماعةٍ يتعقَّبون عليها ، وكانت التمرةُ تُشَقُّ بالنِّصف فيأكلُها الرجُلان كل واحدٍ نصفها ، وربما كانت جماعةٌ يَمُصُّونَ تمرةً واحدة ، ويشربون عليها ، وربما كانوا يَنْحَرُونَ الإبلَ فيشربون من ماءِ كرُوشِها في الحرِّ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ } ؛ أي مِن بعد ما كادَ تَمِيلُ قلوبُ طائفةٍ منهم عن الخروجِ والجهاد ، ويقال من بعدِ ما كادوا يرجِعون عن غزوتِهم من الشدَّة.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ } ؛ أي ثم خفَّفَ عنهم ما أخلفهم عن الحرب حتى كادُوا يعقلون عن أنفُسِهم ، وهذا كقوله تعالى: { إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ الَّيْلِ } . إلى أن قالَ: { عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } [المزمل: 20] أي خفَّفَ عنكم ، وكقوله: { عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ } [البقرة: 187] أي خفَّف عنكم.