قوله عَزَّ وَجَلَّ: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا } ؛ قال ابنُ عباسٍ: (كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فِي بُدُوِّ الإِسْلاَمِ ، وَهِيَ لَهُمْ حَلاَلٌ ، وَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُنَادِي فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَقْتَ الصَّلاَةِ: ألاَ مَنْ كَانَ سَكْرَانًا فَلاَ يَحْضُرْ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَمَاعَةِ ؛ تَعْظِيْمًا لِلْجَمَاعَةِ وَتَوْقِيرًا لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَأنَّ عُمَرَ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: بَيِّنْ لَنَا أمْرَ الْخَمْرِ ، فَإنَّهَا مُهْلِكَةٌ لِلْمَالِ مُذْهِبَةٌ لِلْعَقْلِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } .
وأما الْمَيْسِرُ فقد كان جماعةٌ من العرب يجتمعون فيشترون جَزُورًا ؛ ثم يجعلون لكلِّ واحد منهم سهمًا ، ثم يقترعونَ عليها ، فمن خرجَ سهمهُ بَرِئَ من ثَمنها وأخذ نصيبه من الجزور وبقي آخرهم عليه ثَمن الجزور كلَّه ولا يذوقُ من لحمها شيئًا ، فتقتسمُ أصحابه نصيبَه ، وربما كانوا يتصدقونَ بذلك على الفقراءِ ، فسُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فأنزلَ الله هذه الآية.
والْمَيْسِرُ: هو الْقِمَارُ ، ويقال للقمار: مَيْسِرٌ ، والمقامِرُ اليَاسِرُ ، وقال مقاتلُ: (سُمِّيَ مَيْسِرًا لأَنَّهُمْ كَانُواْ يَقُولُونَ: يَسِّرُواْ لَنَا ثَمَنَ الْجَزُور) ؛ وذلك أنَّ أهلَ الثروةِ من العرب كانوا يشربون جزورًا فينحرونَها ، ويجزِّئونَها أجزاءً ، قال ابنُ عمر: (عَشَرَةُ أجْزَاءٍ) وقال الأصمعيُّ: (ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرِيْنَ جُزْءًا) ثم يسهمون عليها بعشرةِ أقداحٍ ويقال لها الأزلامُ والأقلامُ ، سبعةٌ منها لها أنصب ؛ وهي القذولة نصيبٌ واحد ، والتوأم له نصيبان ، والرقيبُ وله ثلاثة ، والجليسُ وله أربعة ، والنامسُ وله خمسة ، والمسيلُ وله ستةُ ، والمعلي وله سبعة. وثلاثةٌ منها لا أنصب لها ، وهي المسح والسفيحُ والوغد ، ثم يجعلون القداحَ في خريطةٍ سُمِّيت الربابة ، قال أبو ذؤيبُ: وَكَأنَّهُنَّ ربَابَةٌ وَكَأنَّهُ يَسَرٌ يَفِيضُ عَلَى الْقِدَاحِ وَيَصْدَعُويضعونَ الرِّبابة على يدِ واحد عََدْلٍ عندَهم ويسمى الْمُجِيلُ والْمُفِيضُ ، ثم يُجِيْلُها ويُخْرِجُ منها قدحًا واحد منهم ، فأيُّّهم خرجَ سهمهُ أخذ نصيبه على قدر ما يخرج ، فإن كان خرجَ له سهم من هذه الثلاثةِ التي لا أنصب لها ، اختلفوا فيه ؛ قال بعضُهم: كان لا يأخذُ شيئًا ويغرم ثَمن الجزور كلَّه ، وقال بعضهم: لا يأخذُ شيئًا ولا يغرمُ ، ويكون ذلك القدحُ لغوًا فيُعَادُ سهم ثانيًا ، فهؤلاء اليَاسِرُونَ ، ثم يدفعون ذلك الجزورَ إلى الفقراءِ ولا يأكلون منه شيئًا ، وكانوا يفتخرونَ بذلك ويذمُّون من لم يفعل منهم ويسمونه الْبَرَمِ.
فهذا أصلُ القِمار التي كانت العرب تفعلهُ ، وإنَّما عَنَى اللهُ تعالى بالْمَيْسِرِ في هذه الآية أنواعَ القمار كلَّها ، وقال طاووسُ ومجاهدُ وعطاء: (كُلُّ شَيْءٍ فِيْهِ قِمَارٌ فَهُوَ مِنَ الْمَيْسِرِ ، حَتَّى لَعِبَ الصِّبْيَانِ الصِّغَار بالْجَوْز وَالْكِعَاب) . وعن عليٍّ رضي الله عنه قال: (النَّرْدُ وَالشَّطْرَنْجُ مِنَ الْمَيْسِرِ) .