قَوْلُهُ تَعـَالَى: { ياأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ } ؛ المرادُ بها نفسُ المؤمنِ ، يقولُ لها الملائكةَُ عند قَبضِها ، وإذا أُعطيت كتابَها بيمينِها التي أيقنَت بأنَّ اللهَ ربُّها ، وعَرفت توحيدَها خالقها فاطمأنَّت بالإيمانِ وعمِلت للآخرةِ ، وصدَّقت بثواب الله ، { ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي } ؛ ارجعِي إلى ما أعدَّ اللهُ لكِ من نعيمِ الجنة ، راضيةً عن اللهِ بالثواب ، مرضيَّةً عنده بالإيمانِ والعمل الصالحِ ، فادخُلي في جُملَةِ عبادي الصالِحين ، وادخُلي جنَّتي التي أُعِدَّت لكِ.
وقال مجاهدُ: (( مَعْنَاهُ: يَا أيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُنِيبَةُ الَّتِي أيْقَنَتْ أنَّ اللهَ خَالِقُهَا ، الْمُطْمَئِنَّةُ إلَى مَا وَعَدَ اللهُ ، الْمُصَدِّقَةُ بمَا قَالَ ، الرَّاضِيَةُ بقَضَاءِ اللهِ الَّذِي قَدْ عَلِمَتْ بأَنَّ مَا أصَابَهَا لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهَا ، وَمَا أخْطَأَهَا لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهَا) . وَقِيْلَ: معناهُ: المطمئنَّةُ بذكرِ الله المتوكِّلة على اللهِ ، الواثقةُ بما ضَمِنَ لها من الرِّزقِ.
وعن عبدِالله بنِ عمرٍو بنِ العاصِ قال:"إذا تُوُفِّيَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ أرْسَلَ اللهُ مَلَكَيْنِ مَعَهُمَا تُحْفَةٌ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَيُقَالُ لِنَفْسِهِ: أيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، أُخْرُجِي إلَى رَوْحٍ وَرَيْحَانٍ ، وَرَبٍّ عَنْكِ رَاضٍ. فَتَخْرُجُ كَأَطْيَب ريحِ الْمِسْكِ. فَتُشَيِّعُهَا الْمَلاَئِكَةِ فِي السَّمَاءِ ، َفَيَقُولُونَ: قَدْ جَاءَ مِنَ الأَرْضِ روحٌ طَيِّبَةٌ ، فَلاَ تَمُرُّ ببَابٍ إلاَّ فُتِحَ لَهَا ، وَلاَ بَمَلَكٍ إلاَّ صَلَّى عَلَيْهَا ، وَتَقُولُ الْمَلاَئِكَةُ: رَبَّنَا هَذا عَبْدُكَ فُلاَنٌ ، كَانَ يَعْبُدُكَ وَلاَ يُشْرِكُ بكَ شَيْئًا. فَيَقُولُ اللهُ: يَا مِيكَائِيلَ اذْهَبْ بهَذِهِ النَّفْسِ ، فَاجْعَلْهَا مَعَ أنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى أسْأَلَكَ عَنْهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ."
ثُمَّ يَأْمُرُ بأَنْ يُوَسَّعَ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا عَرْضُهُ ، وَسَبْعِينَ ذِرَاعًا طُولُهُ ، وَيُجْعَلُ لَهُ فِيْهِ نُورًا كَالشَّمْسِ ، وَكَانَ كَالْعَرُوسِ يَنَامُ فَلاَ يُوقِظُهُ إلاَّ أحَبُّ أهْلِهِ إلَيْهِ ، فَيَقُومُ مِنْ نَوْمِهِ كَأَنَّهُ لَمْ يَشْبَعْ مِنْهُ"."
وعن جعفرَ عن سعيدٍ قال:"قَرَأ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ { ياأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } ، فَقَالَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: مَا أحْسَنَ هَذا يَا رَسُولَ اللهِ ؟ فَقَالَ:"يَا أبَا بَكْرٍ إنَّ الْمَلَكَ سَيَقُولُهُ لَكَ"".