قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا } ؛ أي في المدينة قَومٌ آخَرون أقَرُّوا بذنوبهم ، خَلطوا عَملًا صالحًا بعملٍ سيِّء ؛ أي تخلَّفوا عن الغزو ثم تابوا ، ويقال: خرَجُوا إلى الجهادِ مرَّةً وتخلَّفوا مرة ، فجمَعُوا بين العملِ الصالح والعمل السيِّء ، كما يقالُ: خَلَطَ الدنانيرَ والدراهمَ ؛ أي جمعَها ، وخلطَ الماء واللَّبنَ ؛ أي أحدَهما بالآخرِ.
وقولهُ تعالى: { عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } ؛ أي يتجاوزَ عنهم ، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ } ؛ لِمَا سلفَ من ذُنوبهم { رَّحِيمٌ } ؛ بهم إذ قََبلَ توبتَهم. وإنما ذكرَ لفظ (عَسَى) ؛ ليكون الإنسانُ بين الطمعِ والإشفاق ، فيكون أبعدَ من الاتِّكالِ والإهمالِ.
قال ابنُ عبَّاس:"نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي لُبَابَةَ بْنِ الْمُنْذِر وأوْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَوَدِيعَةَ ابْنِ حُذامٍ وَغَيْرِهِمْ ، وَكَانُوا عَشْرَةَ أنْفُسٍ ، تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكٍ ، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ مَا أنْزَلَ الله عِنِ الْمُتَخَلّفِينَ نَدِمُوا عَلَى صَنِيعِهِمْ ، فَرَبَطَ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ أنْفُسَهُمْ عَلَى سَوَاري الْمَسْجِدِ ، وَأقْسَمُواْ أنْ لاَ يَحُلُّوا أنْفُسَهُمْ حَتَّى يَكُونَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم الَّذي يَحُلُّهُمْ ، وَكَانُوا لاَ يَخْرُجُونَ إلاَّ لِحَاجَةٍ لاَ بُدَّ لَهُمْ مِنْهَا."
وَكَانُواْ عَلَى ذلِكَ حَتَّى قَدِمَ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ فَأُخْبرَ بأَمْرِهِم ، فَقَالَ: صلى الله عليه وسلم:"وَأنَا لاَ أحُلُّهُمْ حَتَّى أؤْمَرَ بهِمْ"فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَعَرَفَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ (عَسَى) مِنَ اللهِ وَاجِبةٌ ، وَأمَرَ بحَلِّهِمْ وَانْطَلَقُواْ إلَيْهِ ، وَقَالُواْ: هَذِهِ أمْوَالُنَا الَّتِي خَلَّفَتْنَا عَنْكَ ، فَخُذْهَا فَتَصَدَّقْ بهَا عَنَّا ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"مَا أُمِرْتُ فِيْهَا بشَيْءٍ"فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى:
قَوْلُهُ تَعَالَى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا } ؛ ظاهرُ الآية يقتضي رجوعَ الكنايةِ في قولهِ: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ } أي المذكُورين ، وقيلَ: وهمُ الذين اعترَفُوا بذنوبهم ، إلاَّ أنَّ كُلَّ حُكمٍ حَكَمَ اللهُ ورسولهُ في شخصٍ مِن عبادهِ ، فذلك الحكمُ لازمٌ في سائرِ الأشخاصِ ، إلاَّ ما قامَ دليلٌ التخصيصِ به.
وَقِيْلَ: قَوْلُهُ تَعَالَى: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } ابتداءٌ ذُكِرَ لجميعِ المسلمين لدلالةِ الحال على ذلك وإنْ لم يتقدَّم ذكرُ المسلمين كقوله تعَالى: { إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } [القدر: 1] يعني القُرْآنَ. ومعنى الآية: تُطهِّرُهم عن الذنوب وتُزَكِّيهم بها ؛ أي تُصلِحُ أعمالَهم. وَقِيْلَ: معناهُ: تُطهِّرُهم أنتَ بها من دَنَسِ الذُّنوب.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَصَلِّ عَلَيْهِمْ } ؛ أي استغفِرْ لهم وَادْعُ لَهم ، { إِنَّ صَلَاوتَك سَكَنٌ } ؛ أي إنَّ دعاءَكَ واستغفارَكَ طمأنينةٌ ، { لَّهُمْ } ؛ في أنَّ الله يقبَّلُ توبتَهم ، { وَاللَّهُ سَمِيعٌ } ؛ بمقالتِهم ، { عَلِيمٌ } ؛ بنِيَّاتِهِمْ وثوابهم.