فهرس الكتاب

الصفحة 2020 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يامُوسَى } ؛ أي أُوتِيْتَ ما سألتَ يا موسى ، وأوتيتَ مُرادَكَ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى } ؛ أي أنعَمْنا عليكَ كَرَّةً أُخرى قبلَ هذه المرَّة.

ثم بَيَّنَ تلك النعمة ، فقالَ تعالى: { إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّكَ } ؛ أي ألْهَمْنَاهَا حين عَنَتْ بأمرِكَ ، وما كان فيه سببُ نَجاتِكَ من القتلِ ، { مَا يُوحَى } ؛ أي ما يُلْهَمُ ، ثم فسَّرَ ذلك الإلْهَامَ فقال: { أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ } وكان السببُ في ذلك أن فرعونَ كان يقتلُ غِلْمَانَ بنِي إسرائيلَ على ما تقدَّم ذكرهُ ، ثُم خَشِيَ أن يَفْنَى نسلُ بني إسرائيلَ ، فكان يقتلُ بعد ذلك في سنةٍ ولا يقتلُ في سنةٍ ، فوُلِدَ موسى في السَّنة التي يقتلُ فيها الغلمانَ ، فنجَّاهُ الله من القتلِ بأن ألْهَمَ أُمَّهُ أن جعلته في التابوتِ ، وأُطْرِحَ التابوت في اليَمِّ وهو البحرُ ، وأرادَ به النِّيْلَ ومعنى قوله تعالى: { أَنِ اقْذِفِيهِ } أي اجعليه.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ } ؛ لفظهُ لفظ الأمر وهو خبرُ (بتقدير) حتى يلقيه اليَمُّ بالسَّاحل. قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ } ؛ وأرادَ به فرعون.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي } ؛ وذلك أن أُمَّ موسى لَمَّا اتخذت لِموسى تابوتًا جعلت فيه قُطْنًا مَحْلُوجًا ، ووضعت فيه موسَى وألقتْهُ في النِّيلِ ، وكان يشرعُ منه نَهر كبيرٌ في دار فرعون ، فبينما هو جالسٌ على رأسِ البرْكَةِ مع امرأتهِ آسْيَةُ ، إذا بالتابوتِ يَجِيْءُ بالماء.

فلما رأى ذلك أمَرَ الجوارِي والغلمان بإخراجهِ فأخرجوهُ ، فإذا هو صبيٌّ من أحسنِ الناس وَجْهًا ، فلما رآهُ فرعون أحَبَّهُ بحيثُ لَم يتمالك ، فذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي } قال عطية العوفي: (وَجَعَلَ عَلَيهِ مِسْحَةً مِنْ جَمَالٍ فَأَحَبَّهُ كُلُّ مَن رآهُ) .

وقال عطاءٌ عن ابنِ عبَّاس: (مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي } أيْ لاَ يَلْقَاكَ أحَدٌ إلاَّ أحَبَّكَ مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ) ، وقال عكرمةُ: (ألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً ومَلاَحَةً وَحُسْنًا) ، فحين أبصرَتْ آسية وجهَهُ قالت لفرعون: قُرَّةَ عَيْنٍ لِي ولكَ. وقال أبو عبيدةُ: (مَعْنَاهُ: جَعَلْتُ لَكَ مَحَبَّةً عِنْدِي وَعِنْدَ غَيْرِي ، أحَبَّكَ فِرْعَوْنُ ، فَسَلِمْتَ مِنْ شَرِّهِ ، وَأحَبَّتْكَ امْرَأتُهُ فَتَبَنَّتْكَ) . قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } ؛ أي ولِتُرَبَّى وتغذى بمرأى أراكَ على ما أريدُ بك من الرفاهيَةِ في غذائِكَ. وقال قتادةُ: (مَعْنَاهُ: لِتُغَذى عَلَى مَحَبَّتِي) .

وأرادَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: { إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ } ؛ وذلكَ أن موسى جَعَلَ يبكي ويطلبُ اللَّبَنَ ، فأمَرَ فرعونُ حتى أتَى بالنَّساءِ اللَّواتِي حولَ فرعون ليُرضعْنَ موسى ، فلم يَقْبَلْ ثَديَ واحدةٍ منهن ، وكانت أُخْتُ موسى مُتَّبعَةً للتابوتِ ماشيةً خَلْفَهُ.

فلما حُمل التابوتُ إلى فرعونَ ، ذهبت هي معهُ ، فقالت: هَلْ أدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ ؟ أي يرضعهُ ويضمُّه ويحصنهُ ؟ فقالوا: مَن هي ؟ قالت: امرأةٌ قد قُتِلَ ولدُها ، وهي تحبُّ أن تجدَ صبيًّا ترضعهُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت