فهرس الكتاب

الصفحة 362 من 4495

قوله عزّ وَجَلَّ: { لَيْسُواْ سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَآءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ } ؛ قال ابنُ عبَّاس ومقاتلُ: (لَمَّا أسْلَمَ عَبْدُاللهِ ابْنُ سَلاَمٍ ؛ وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعَيْةَ ؛ وَأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ ؛ وأسَدُ بْنُ عُبيدٍ وَمَنْ أسْلَمَ مِنَ الْيَهُودِ ؛ قَالَتْ أحْبَارُ الْيَهُودِ: مَا آمَنَ بُمحَمَّدٍ إلاَّ أشْرَارُنا ، لَوْ كَانُواْ مِنْ أخْيَارنَا مَا تَرَكُواْ دِيْنَ آبَائِهِمْ ، ثُمَّ قَالُواْ لَهُمْ: قَدْ خَسِرْتُمْ حِيْنَ اسْتَبدَلْتُمْ دِيْنَكُمْ بدِيْنٍ غَيْرِهِ. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .

وقيل: لَمَّا ذكرَ اللهُ في الآياتِ المتقدِّمة مَن آمَنَ مِن أهلِ الكتاب ، ومَن لَمْ يُؤْمِنْ. قال عَزَّ وَجَلَّ: { لَيْسُواْ سَوَآءً } أي ليسَ الفريقانِ سواءً ، وهذا وَقْفٌ تَامٌّ ، ثم استأنفَ قولَهُ تعالى: { مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ } أي عادلةٌ مستقيمةٌ مهتديةٌ. وقال الأخفشُ: (ذُو أمَّةٍ قَائِمَةٍ ؛ أيْ ذِي طَرِيْقَةٍ قَائِمَةٍ) ، قال: (وَالأُمَّةُ الطَّرِيْقَةُ) .

ومعنى قولهِ: { يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَآءَ اللَّيْلِ } يعني يَقْرَأونَ القرآنَ في ساعاتِ اللَّيْلِ ، { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } أي وهُمْ يُصَلُّونَ ؛ لأنَّ القرآنَ لا يكونُ في السجودِ ، نظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَهُ يَسْجُدُونَ } [الأعراف: 206] أي يُصَلُّونَ ، وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـانِ } [الفرقان: 60] أي صَلُّواْ. وإنَّما ذُكرت الصلواتُ باسمِ السجودِ ، لأن السجودَ نِهايةُ ما فيها من التواضُعِ. قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه: (أرَادَ بهِ صَلاَةَ العَتْمَةِ) . وقيل: أرادَ به ما بينَ المغرب والعشاءِ. واختلفَ النُّحاة في واحدِ الأنَا ؛ قال بعضهُم: أنَاءُ مِثْلُ مَعَاءُ وَأمْعَاء. وقال بعضهُم: إنِّي مثل نَحَى وأنْحَى.

وقال بعضُ المفسِّرين: في الآيةِ اختصارٌ وحَذْفٌ ؛ تقديرهُ: مِن أهلِ الكتاب أمةٌ قائمةٌ وأخرَى غيرُ قائمةٍ ، وتركَ الأخرى اكتفاءً بذكرِ أحدِ الفريقين ؛ قالوا: وهذا فعلٌ مجموع مقدَّمٌ كقولِهم: أكَلُونِي الْبَرَاغِيْثُ ، وَذهَبُوا أصْحَابُكَ. وقال آخرونَ: تَمامُ الكلامِ عند قولِه { لَيْسُوا سَوَاءً } يعني المؤمنين والفاسقينَ ؛ لأن ذِكر الفريقين قد جرَى في قولِه: { مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ } [آل عمران: 110] . ثم وَصَفَ الفاسقينَ فقال: { لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى } [آل عمران: 111] ، ووصفَ المؤمنين فقالَ { أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ } الآيةُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت