قَوْلُهُ تَعَالَى: { قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى } ؛ أي كلام حسنٌ وردٌّ جميلٌ على السائلِ ولطفٌ به ودعاءٌ له بالسعةِ ؛ وتجاوزٌ عن مَظْلَمَةٍ ؛ وعدة حسنةٌ { خَيْرٌ } عندَ الله { مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى } لأن الصدقةَ إذا أتبعَها الآذى ذهبَ المالُ والثواب جميعًا. وقال الضحَّاك: (مَعْنَى الآيَةِ: قَوْلٌ فِي إصْلاَحِ ذاتِ الْبَيْنِ) .
قوله: { وَمَغْفِرَةٌ } ؛ قال ابنُ جرير: (وَمَعْنَى { وَمَغْفِرَةٌ } أيْ سَتْرُ مِنْهُ عَلَيْهِ لِمَا عَلِمَ مِنْ خَلَّتِهِ وَفَاقَتِهِ) . وقيل: يتجاوزُ عن السائلِ إذا استطالَ عليه عندَ ردِّه ؛ علمَ الله أنَّ الفقيرَ إذا رُدَّ بغيرِ شيء شُقَّ عليهِ ذلك ، فربَّما دعاهُ ذلك إلى بذاءةِ اللسان وإظهار الشكوى ، وعَلِمَ ما يلحقُ المانع منه فحثَّه على العَفْوِ والصَّفْحِ.
رُوي عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ:"إذا سَأَلَ السَّائِلُ فَلاَ تَقْطَعُواْ عَلَيْهِ مَسْأَلَتَهُ حَتَّى يَفْرَغَ مِنْهَا ، ثُمَّ رُدُّوهَا عَلَيْهِ بوَقَارٍ وَلِيْنٍ وَببَذْلٍ يَسِيْرٍ أوْ رَدٍّ جَمِيْلٍ ، فَإنَّهُ قَدْ يَأْتِيكُمْ مَنْ لَيْسَ بإنْسٍ وَلاَ جَانٌ يَنْظُرُ كَيْفَ صُنْعُكُمْ فِيْمَا خَوَّلَكُمُ اللهُ مِنَ النِّعَمِ".
قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ } ؛ أي { غَنِيٌّ } عن صدقاتِ العباد ، { حَلِيمٌ } إذا لم يعجِّل بالعقوبةِ على الذي"مَنَّ"بصدقتهِ. روى بشْرُ بنُ الحارثِ ؛ قال: رَأيْتُ عَلِيًّا رضي الله عنه فِي الْمَنَامِ ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أمِيْرَ الْمُؤْمِنِيْنَ ، تَقُولُ شَيْئًا لَعَلَّ اللهَ يَنْفَعُ بِهِ ؟ فَقَالَ لِي: مَا أحْسَنَ عَطْفَ الأَغْنِيَاءِ عَلَى الْفُقَرَاءِ رَغْبَةً فِي ثَوَاب اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأحْسَنَ مِنْهُ صَبْرُ الْفُقَرَاءِ عَنِ الأَغْنِيَاءِ ثِقَةً باللهِ عَزَّ وَجَلَّ.