فهرس الكتاب

الصفحة 214 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } ؛ أي والمطلقاتُ اللاَّتِي لهن أولادٌ من أزواجهن المطلِّقين ولدنَهم قبلَ الطلاقِ أو بعده ؛ وقوله: { يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ } لفظهُ لفظ الخبرِ ومعناه: الأمرُ ، كأنه قال: لِتُرْضِعِ الوالداتُ أولادَهنَّ ، كما قال تعالى: { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ } [البقرة: 228] يدلُّ على ذلك أنه لو كانَ قوله: { يُرْضِعْنَ } خبرًا لَمَا وُجِدَ مُخْبَرُهُ على خلاف ما أخبرَ الله به ؛ فلما كان من الوالداتَ مَن لا ترضعُ ؛ عُلِمَ أنه لَمْ يرد به الخبرَ ؛ فكان هذا محمولًا في حالِ قيام النكاح على الأوامرِ الواجبة من طريقِ الدين لا من جهة الحكم ؛ فإنَّها إذا امتنعت من الإرضاعِ لم يكنْ للزوجِ أن يُجْبرَهَا على ذلك من حيثُ الحكمُ ، وإن أرضعتُ لم تستحقَّ نفقة الرضاع مع بقاءِ الزوجية ، ولا يجتمعُ لها نفقتان.

وفي الآيةِ إثباتُ حقِّ الرضاعِ للأم ، وبيانُ مدة الرضاعِ للمستحق على الولد ، فإنَّ الولد لو امتنع من الإرضاع في الحولين أُجبر عليه كما قَالَ تعالى في آيةِ المطلقات: { فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } [الطلاق: 6] وقالَ: { وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى } [الطلاق: 6] .

فإن قيلَ: كيفَ قال الله تعالى: { حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } والحَوْلان لا يكونان إلا كاملينِ ؟ قيل: لإزالة الإبْهام ؛ فإنَّ الإنسان قد يقولُ: أقمتُ عند فلانٍ سنتين ؛ إذا كان قريبًا مِن سنتين ، وسِرْتُ شهرًا ؛ إذا كان قريبًا من شهرٍ ، فبيَّن اللهُ تعالى أنَّهما حَولانِ كاملان: أربعةٌ وعشرون شهرًا من يومِ يولدُ إلى أنْ يُفطمَ.

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } أي لِمن أرادَ من الآباء أن يُتِمَّ الرضاعةَ المفروضة عليهِ ؛ أي هذا منتهى الرضاعةِ وليس فيما دون ذلك وقت محدودٌ ، وإنما هو على مقدار إصلاح الصبيِّ وما يعيشُ به.

قرأ أبو رجاء: (الرِّضَاعَةُ) بكسرِ الراء ؛ قال الخليلُ: (وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْلُ الْوَكَالَةِ وَالْوِكَالَةِ ؛ وَالدَّلاَلَةِ والدِّلاَلَةِ) . وقرأ مجاهدُ: (لِمَنْ أرَادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضْعَةَ) وهي فَعْلَةُ كالْمَرَّةِ الواحدة ، وقرأ عكرمة: (لِمَنْ أرَادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةُ) على الفاعلِ. وقرأ ابنُ عباس: (لِمَنْ أرَادَ أنْ يُكْمِلَ الرَّضَاعَةَ) .

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } ؛ معناهُ: وعلى الأب نفقتُهن وكسوتُهن كما يُعْرَفُ أنه العدلُ ، يكون ذلك أجرةً لَهن على الرضاع إذا كانَ إرضاعُ الولد بعد الفراقِ.

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا } أي لا يُجبر الأب على النفقةِ والكسوة إلا مقدارَ طاقته ، والتكليفُ هو الإلزامُ ، قال الضحَّاك: (هَذَا فِي الْمُطَلَّقَاتِ دُونَ الْمُزَوَّجَاتِ ؛ لأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَابَلَ هَذِهِ النَّفَقَةَ بالإرْضَاعِ ، وَنَفَقَةُ الزَّوْجَةِ لاَ تَجِبُ بالإرْضَاعِ وَإنَّمَا تَجِبُ بسَبَب الزَّوْجِيَّةِ) .

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ } ؛ قرأ ابنُ كثير وأبو عمروٍ ويعقوبُ وسلامُ برفع الراء مشدَّدةً على الخبرِ مَنْسُوقًا على قوله: { لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ } وأصلهُ: (لا تضاررُ) فأُدغمت الراءُ في الراءِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت