قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ } ؛ أي أنفقوا من خِيار ما كسبتم ، وخيارهُ نظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ } [آل عمران: 92] . وقال ابن مسعودٍ ومجاهد: (مِنْ حَلاَلٍ مَا كَسَبْتُمْ مِنَ الأَمْوَالِ) دليلهُ: { ياأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ } [المؤمنون: 51] وقال عَلَيْهِ السَّلاَمُ:"إنَّ اللهَ طَيِّبٌ لاَ يُحِبُّ إلاَّ الطَّيِّبَ ، لاَ يَكْسَبُ عَبْدٌ مَالًا مِنْ حَرَامٍ فَيَتَصَدَّقُ بهِ فَيُقْبَلُ مِنْهُ ؛ وَلاَ يُنْفِقُ فَيُبَارِكُ لَهُ فِيْهِ ، وَلاَ يَتْرُكُهُ خَلْفَهُ إلاَّ كَانَ زَادَهُ إلَى النَّار ، وَإنَّ اللهَ لاَ يَمْحُو السَّيِّءَ بالسَّيِّءِ ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّءَ بالْحَسَنِ ، وَإنَّ الْخَبيْثَ لاَ يَمْحُو الْخَبيْثَ".
وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ } أي من أعشار الحبوب والثمار.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ } ؛ أي لا تعمَدُوا إلى الرَّدِيء من أموالِكم منه تتصدقون ، ولستم بقابضِيه وقابليهِ (إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) ، يقول: لو كانَ لبعضِكم على بعضٍ حقٌّ فجاءَ بدون حقِّه ، لم يأخذ منهُ إلا أن يَتَغَامَضَ له عن بعضِ حقِّهِ ويتسامَحَ عن عيبٍ فيه ، فكيفَ تُعطونه في الصدقةِ.
وقد رُوي في سبب نزول هذه الآية"أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ وَقَالَ: [إنَّ للهِ فِي أمْوَالِكُمْ حَقًّا] . فَكَانَ يَأْتِي أهْلُ الصَّدَقَةِ بصَدَقَاتِهِمْ فَيَضَعُونَها فِي الْمَسْجِدِ ، فَيُقَسِّمُهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُمْ ، فَجَاءَ رَجُلٌ ذاتَ يَوْمٍ بَعْدَمَا تَفَرَّقَ عَامَّةُ أهْلِ الْمَسْجِدِ بعَذْقٍ مِنْ حَشَفٍ فَوَضَعَهُ فِي الصَّدَقَةِ ، فَلَمَّا أبْصَرَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: [بئْسَ مَا صَنَعَ صَاحِبُ الْحَشَفِ] فأَمَرَ بهِ فَعُلِّقَ ، فَجَعَلَ كُلُّ مَنْ يَرَاهُ يَقُولُ: بئْسَ مَا صَنَعَ صَاحِبُ الْحَشَفِ"، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةِ.
وقال بعضُهم: معنى: { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ } أي لا تتصدَّقوا بالحرامِ. فيكون معنى (إلا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) على هذا التأويلِ: إلاَّ أن تَتَرَخَّصُواْ في تناولهِ إنْ كان حَرَامًا. والإغماضُ: تركُ النظرِ ، يقال في الْمَثَلِ: أغْمِضْ فِي هَذَا وَغَمَّضْ ؛ أي لا تَسْتَقْصِ وكُنْ كأنَّكَ لَمْ تُبْصِرْ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ } ؛ أي { غَنِيٌّ } عن صدقاتِكم محمودٌ في أفعالهِ ، ولم يأمرْكم بالصدقةِ عن عِوَضٍ ولكن بلاكُم بما أمركم ، فهو مستحقٌ للحمدِ على ذلك وعلى جميعِ أمرهِ.
وفي الآية إباحةُ الكسب وإخبارٌ أن فيه ما هو طيِّب ، قالَ صلى الله عليه وسلم:"وَالْخَيْرُ عَشْرَةُ أجْزَاءٍ أفْضَلُهَا التِّجَارَةُ إذَا أخَذَ الْحَقَّ وَأعْطَى الْحَقَّ"وَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"تِسْعَةُ أعْشَار الرِّزْقِ فِي التِّجَارَةِ ، وَلاَ يَفْتَقِرُ مِنَ التُجَّار إلاَّ تَاجِرٌ حَلاَّفٌ""سُئِلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: أيُّ كَسْبَ الرِّزْقِ أفْضَلُ ؟ قَالَ: [عَمَلُ الرَّجُلِ بيَدَيْهِ ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ] "وقالَ صلى الله عليه وسلم:"يَا مَعْشَرَ التُّجَّار ، إنَّ هَذَا الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ ، فَشَوِّبُوهُ بالصَّدَقَةِ".