{ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا } ؛ وذلك أنَّ السماءَ لم تكن تُحرَسُ فيما بين عيسَى ومُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمَا ، فلمَّا بعثَ اللهُ مُحَمَّدًا نبيَّنا حُرست السماءُ ورُميتِ الشياطين بالشُّهب ، فلم يبقَ صنمٌ إلاّ خرَّ لوجههِ.
فقال إبليسُ للجنِّ: لقد حدثَ في الأرضِ حَدَثٌ لم يحدُثْ مثلَهُ ، ولا يكون هذا إلاَّ عند خروجِ نبيٍّ ، ففرَّقَ جُندَهُ في الطلب وأمرَهم أن يضربوا مشارقَ الأرضِ ومغاربَها ، وبعثَ تسعةَ نفرٍ من أشرافِ جنِّ نصيبين إلى أرضِ تُهامة ، وكان رئيسُهم يسمَّى عمروًا ، فلما انتَهوا إلى بطنِ نخلةَ وجَدُوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَائمًا يُصلِّي بأصحابهِ صلاةَ الفجرِ.
فلمَّا سمِعُوا القرآنَ رقَّت له قلوبُهم ، ودنَا بعضُهم من بعضٍ حُبًّا للقرآنِ حتى كَادُوا يتساقَطون على النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو لا يعلم ، وقالُوا: هذا الذي حالَ بينَنا وبين خبرِ السَّماء ، فذلك قَوْلُهُ تَعالَى: { وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ } [الأحقاف: 29] فآمَنُوا بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم ورجَعُوا إلى قومِهم مُنذرين ، ولم يأْتُوا إبليسَ.
وقالوا لقَومِهم: { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا } أي بَليغًا ذا عَجَبٍ يُعجَبُ من بلاغتهِ وحُسنِ نَظْمِهِ ، { يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ } ؛ أي يَدعُو إلى الصَّواب من التوحيدِ والإيمان ، { فَآمَنَّا بِهِ } ؛ وصدَّقنَا به أنَّهُ مِن عندِ الله ، { وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا } ؛ من بعدِ هذا اليومَ ، وكما أشركَ إبليسُ.
"فاستجابَ لهم جماعةٌ من الجنِّ فجَاءوا بهم إلى النبيِّ صلى الله عليهم وسلم ، فأقرَأهُم القرآنَ فآمَنُوا به ، وقالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إنَّ الأَرْضَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ حِجْلٌ لَيْسَ لَنَا فِيْهِ شَيْءٌ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"لَكُمُ الرَّوْثُ وَكُلُّ أرْضٍ سَبْخَةٍ تَنْزِلُونَ بهَا تَكُونُ مُكَلَّبَةً لَكُمْ ، وَلَكُمُ الْعَظْمُ ، وَكُلُّ عَظْمٍ مَرَرْتُمْ عَلَيْهِ تَجِدُونَ عَلَيْهِ اللَّحْمَ حَيْثُ يَكُونُ"".
ثُم يُكرَهُ أن يُستَنجَى بالعظمِ والرَّوثِ. ثم انصرَفتِ الجنُّ عنه ، فأوحَى اللهُ إليه بهذه الآياتِ لبيان أنَّ الجنَّ لَمَّا ظهرَ لهم الحقُّ اتبعوهُ ، فالإنسُ أولى بذلك لأنَّهم ولدُ آدمَ ، فكان المخالفُ منهم ألْوَمَ.
ومعنى الآيةِ: قُل يا مُحَمَّدُ لأهلِ مكَّة: أُوحِيَ إلَيَّ أنه استمعَ إلى القرآنِ طائفةٌ من الجنِّ ، فلمَّا رجَعُوا إلى قومِهم قالُوا: يا قومَنا { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدًا } بعدَ هذا اليومِ ؛ أي لا نتَّبعُ إبليسَ في الشِّركِ ، { وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا } ؛ هذا من قولِ الجنِّ لقَومِهم ، معطوفٌ على قولهِ { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا } وإنَّهُ تعالَى جَدُّ ربنا وعظَمتهُ عن أنْ يتَّخِذ صاحبةً أو ولدًا ، وهذا كما يقالُ: فلانٌ أعظمُ وأجَلُّ مِن أن يفعلَ كذا وكذا ، فالْجَدُّ: الْعَظَمَةُ ، وقال الحسنُ: (مَعْنَى الْجَدِّ فِي هَذِهِ الآيَةِ الْغِنَى) ومنهُ قولهم في الدُّعاء:"وَلاَ يَنْفَعُ ذا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ"أي لا يَنْفَعُ ذا الغِنَى منكَ غناهُ.