فهرس الكتاب

الصفحة 2191 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } ؛ معناهُ: إنَّ الذين كفَرُوا بمُحَمَّدٍ والقرْآنِ { وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ } عطفُ المضارعِ على المضافِ ؛ لأن المرادَ بالمضارعِ الماضي أيضًا. ويجوزُ أن يكون المعنى الذين كَفَرُوا فيما مَضَى وهُمُ الآن يصدُّون عن سبيلِ الله مع كفْرِهم ، والمعنى: يَمْنَعُونَ الناسَ عن طاعةِ الله وعن الطَّوافِ في { وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } ؛ وهم أبو سُفيان وأصحابهُ الذين صَدُّوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم عامَ الحديبيةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } ؛ معناهُ: الذي جعلناهُ للناسِ كلِّهم ، لَم يخصَّ به بعضَهم دون بعضٍ سِوَى المقيمِ فيه ، والذي يأتِي مِن غير أهلهِ ، وليس الذين صَدُّوا عنهُ بأحقَّ به مِن غيرِهم.

قِيْلَ: المراد بالمسجدِ الحرام في هذه الآية الْحَرَمُ كلُّهُ ، كما في قولهِ تعالى: { إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } [التوبة: 7] وكان العهدُ بالحديبيةِ. وعن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنهُ قال:"إنَّ مَكَّةَ لاَ يَحِلُّ بَيْعُ ربَاعِهَا وَلاَ إجَارَةُ بُيُوتِهَا". وَقِيْلَ: إن المرادَ بالمسجدِ الحرام نَفْسُ المسجدِ سِوَى الْمُعْتَكَفِ فيه: الْمُجَاوِرُ والبادِيُ الذي يكون مُلازمًا له في حُرمتَهِ وحقُّ الله عليهما فيه سواءٌ.

قرأ حفصٌ: (سَوَاءً) بالنصب بإيقاعِ الْجَعْلِ عليه ، لأن الجعلَ يتعدَّى إلى مفعُولين. وقرأ الباقون بالرفعِ على الابتداءِ ، وما بعدهُ خبره. وقِيْلَ: (سَوَاءٌ) خبرُ مبتدأ متقدِّم تقديرهُ: العَاكِفُ فِيْهِ وَالْبَادِي سَوَاءٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } ؛ معناهُ: ومَن يُرِدْ فيه إلحادًا بظُلْمٍ ، وفي هذا دليلٌ أن المرادَ بالمسجد الحرامِ كلَّ الْحَرَمِ ، فإن الذنبَ في الحرمِ أعظمَ منه في غيره ، فعلى هذا يكونُ قوله { سَوَآءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ } أي سواءً في النَّزول ، فليس أحدُهما أحقُّ بالمنْزِل يكون فيه. وحرَّمُوا بهذه الآية كِرَاءَ دور مكَّة وإجارتَها في أيام الموسم.

قال عبدُالله بن أسباط: (كَانَ الْحُجَّاجُ إذا قَدْمُوا مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ أحَقَّ بمَنْزِلِهِ مِنْهُم) ، رُوِي: (أنَّهَا كَانَتْ تُدْعَى السَّوَائِبُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأبي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، مِن احْتَاجَ سَكَنَ ، وَمَنِ اسْتَغْنَى أُسْكِنَ) .

والإلحادُ هو الشِّرْكَ بالله تعالى ، وَقِيْلَ: كلُّ ظالِمٍ فيه ملحدٌ. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قالَ:"احْتِكَارُ الطَّعَامِ بمَكَّةَ إلْحَادٌ". وأمَّا دخولُ الباء في قوله: (بإلْحَادٍ) فعلى معنى: ومَن إرادتهُ فيه بأنْ يُلْحِدَ بظلمٍ. وَقِيْلَ: الإلحادُ دخول مكة بغيرِ إحرامٍ ، وأخذُ حَمَامِ مكَّة وأشياء كثيرة لا يجوزُ للمُحْرِمِ أن يفعَلَها. قَوْلُهُ تَعَالَى: { نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } خبرٌ لكل ما تقدَّم من الجملتين من قولهِ تعالى { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ } ، ومِن قولهِ تعالى { وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت