فهرس الكتاب

الصفحة 2704 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ياعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } ؛ قالَ مقاتلُ: (نَزَلَتْ فِي ضُعَفَاءِ مُسْلِمِي مَكَّةَ ، تَقُولُ: إنْ كُنْتُمْ فِي ضِيْقٍ بمَكَّةَ مِنْ إظْهَار الإيْمَانِ) فَاخْرُجُواْ مِنْهَا وَأُمِرُوا بالْهِجْرَةِ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي لاَ يُمْكِنُهُمْ فِيْهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ ، وَكَذلِكَ يَجِبُ عَلَى كُلِّ بَلَدٍ ، مَنْ كَانَ فِي بَلَدٍ فَعُمِلَ فِيْهَا بالْمَعَاصِي ، وَلاَ يُمْكِنُهُ تَغْييْرُ ذلِكَ أنْ يُهَاجِرَ إلَى حَيْثُ يَتَهَيَّأُ لَهُ أنْ يَعْبُدَ اللهَ حَقَّ عِبَادَتِهِ.

ثُم خوَّفَهم بالموتِ لتَهُونَ عليهم الهجرةُ ؛ فقالَ: { كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ } ؛ أي كُلُّ أحدٍ مَيِّتٌ أينَما كانَ ، فلا تُقِيمُوا بدار الشِّرك خوفًا من الموتِ ، { ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ } ، بعدَ الموتِ فيجزِيَكم بأعمَالِكم. وقال سعيدُ بن جبير: (مَعْنَى الآيَةِ: إذا عُمِلَ فِي أرْضٍ بالْمَعَاصِي فَاخْرُجُواْ مِنْهَا ، فَإنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ) ، وقال عطاءُ: (إذا أُمِرْتُمْ بالْمَعَاصِي فَاهْرُبُواْ مِنْهَا ، فَإنَّ أرْضَ اللهِ وَاسِعَةٌ) ، وقال مجاهدُ: (إنَّ أرْضِي وَاسِعَةٌ فَهَاجِرُواْ وَجَاهِدُواْ) .

وقال الكلبيُّ: (نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَضْعَفِيْنَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ الَّذِيْنَ كَانُواْ بمَكَّةَ لاَ يَقْدِرُونَ عَلَى إظْهَار الإيْمَانِ وَعِبَادَةِ الرَّحْمَنِ ، فَحَثَّهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِيْنَةِ ، فَشُقَّ عَلَيْهِمْ وَقَالُواْ: كَيْفَ يَكُونُ حَالُنَا إذا انْتَقَلْنَا إلَى دَار الْغُرْبَةِ وَلَيْسَ بهَا أحَدٌ يَعْرِفُنَا فَيُوَاسِيْنَا ، وَلاَ نَعْرِفُ وُجُوهَ الاكْتِسَاب فِيْهَا ، فَقَطَعَ اللهُ عُذْرَهُمْ بهَذِهِ الآيَاتِ) .

ومعناها: إنَّ أرضِي واسعةٌ آمِنَةٌ ، وَقِيْلَ: { وَاسِعَةٌ } أي رزْقِي لكم واسعٌ ، فاخرجُوا من هذه الأرضِ التي أنتم فيها. وعن الحسنِ قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ فَرَّ بدِيْنِهِ مِنْ أرْضٍ إلَى أرْضٍ وَإنْ كَانَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ اسْتَوْجَبَ الْجَنَّةَ ، وَكَانَ رَفِيْقَ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ".

ثُم ذكرَ ثوابَ مَن هاجرَ ، فقال: { وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ } ؛ يعني الْمُهَاجِرِيْنَ ، { لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفًَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ } ؛ قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عََنْهُمَا: (لَنُسْكِنَنَّهُمْ غُرْفَ الدُّرَّةِ وَالزُّبُرْجَدِ وَالْيَاقُوتِ ، وَلَنُنْزِلَنَّهُمْ قُصُورَ الْجَنَّةِ) ، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: (لَنُثْوِيَنَّهُمْ) يقالُ: ثَوَى الرجلُ إذا أقامَ ، وأثْوَيْتُهُ إذا أنزلتهُ منْزِلًا يقيمُ فيهِ ، والمعنى: والذينَ آمَنُوا لنُنْزِلنَّهُمْ من الجنَّة غُرَفًا عَوالِي تَجرِي من تحتِ قصورها وأشجارها الأنَهارَ ، { خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ } ؛ للهِ.

ثُم وصَفَهم فقالَ: { الَّذِينَ صَبَرُواْ } ؛ أي على دِينِهم فلم يتركوهُ لشدَّةِ لَحِقَتهُمْ ، { وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (وَذلِكَ أنَّ الْمُهَاجِرِيْنَ تَوَكَّلُواْ عَلَى اللهِ وَتَرَكُواْ دُورَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ) . وَقِيْلَ: معناهُ: { وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } في أرزاقِهم وجهادِ أعدائهم ومهمَّات أُمورهم.

قال مقاتلُ: (إنَّ أحَدَهُمْ كَانَ يَقُولُ بمَكَّةَ: كَيْفَ أُهَاجِرُ إلَى الْمَدِيْنَةِ وَلَيْسَ لِي بهَا مَالٌ وَلاَ مَعِيْشَةٌ) . فقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٍ لاَّ تَحْمِلُ رِزْقَهَا } ؛ أي وَكَمْ من دابَّةٍ في الأرضِ ؛ وهي كلُّ حيوان يدبُّ على الأرضِ مما يعقل ومما لا يعقلُ.

والمعنى: كَم مِن نفسٍ دابَّةٍ لا تحملُ رزقَها ؛ أي لا ترفعُ رزقَها معها ولا تَدَّخِرُ شيئًا لِغَدٍ ، { اللَّهُ يَرْزُقُهَا } ؛ حيثُ توجَّهت ، { وَإِيَّاكُمْ } ؛ يرزقُكم إن أُخرِجتُم إلى المدينةِ ، وإنْ لَم يكن لكم زادٌ ولا نفقةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت