فهرس الكتاب

الصفحة 562 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ } ؛ أي ليس ثوابُ الله تعالى بأمَانِيِّكُمْ ، فإنَّ (لَيْسَ) يقتضِي اسْمًا ، واختلفُوا في المخاطَبين بهذه الآيةِ, قال قتادةُ والضحَّاك: (إنَّ أهْلَ الْكِتَاب وَالْمُسْلِمِيْنَ افْتَخَرُواْ ، فَقَالَ أهْلُ الْكِتَاب: نَبيَّنَا قَبْلَ نَبيِّكُمْ ؛ وَكِتَابُنَا قَبْلَ كِتَابكُمْ ؛ وَنَحْنُ أوْلَى باللهِ مِنْكُمْ. وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ: نَحْنُ أوْلَى باللهِ مِنْكُمْ ؛ نَبيُّنَا خَاتَمُ النَّبيِّيْنَ ؛ وَكِتَابُنَا يَقْضِي عَلَى الْكُتُب الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةََ) .

وقال مجاهدُ: (الْمُخَاطَبُونَ بهَا عَبَدَةُ الأوْثَانِ ؛ فإنَّهُمْ قَالُواْ: لاَ نُبْعَثُ وَلاَ نُحَاسَبُ ، وَقَالَ أهْلُ الْكِتَاب: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلاَّ أيَّامًا مَعْدُودَةً ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: { لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ } . { مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } ؛ ولا يَنْفَعُهُ تَمَنِّيْهِ ، والمرادُ بالسُّوءِ الكُفْرُ.

وقال بعضُهم: المخاطَب بها المسلمونَ ؛ أي (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بهِ) أي ليسَ بأمَانِيِّكُمْ يا معشرَ المسلمين أنْ لا تُؤَاخَذُواْ بسُوءٍ بعد الإيْمانِ ، { وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ } : لاَ يَدْخُلُ الجنَّةَ إلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أوْ نَصَارَى ، من يعمَلْ معصيةًُ يُجْزَ بذلكَ ولا ينفعه تَمنِّيه.

روي: أنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ؛ قَالَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه:"يَا رَسُولَ اللهِ ؛ كَيْفَ الْفَلاَحُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أبَا بَكْرٍ ؛ ألَسْتَ تَمْرَضُ ؟ ألَسْتَ تَنْصَبُ ؟ ألَسْتَ تُصِيْبُكَ الَّلأْوَاءُ ؟"قَالَ: بَلَى ،"فَهُوَ مَا تُجْزَونَ بهِ"."

وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أنهُ قَالَ:"لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ شُقَّ ذلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ ، فَشَكَواْ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"قَارِبُواْ وَسَدِّدُواْ". يقالُ: كلُّ ما يصيبُ المؤمنَ كفَّارَةٌ حتى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا في قدميهِ ، والنَّكْبَةَ يَنْكَبُّهَا".

قال عطاءُ: (لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } قَالَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه:"هَذِهِ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ يَا رَسُولَ اللهِ ؛ وَأيَّنَا لَمْ يَعْمَلُ سُوءًا ، وَإنَّا لَمَجْزِيُّونَ بكُلِّ سُوءٍ عَمِلْنَاهُ؟! قَالَ:"إنَّمَا هِيَ الْمُصِيْبَاتِ تَكُونُ فِي الدُّنْيَا". فَقَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } بَكَيْنَا وَحَزِنَّا وَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَا أبْقَتْ هَذَهِ الآيَةِ مِنْ شَيْءٍ ،"أمَا وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ ؛ لَكُمَا أنْزِلَتْ ؛ وَلَكِنْ يًسِّرُواْ وَقَارِبُواْ وَسَدِّدُواْ ؛ إنَّهُ لاَ يُصِيْبَ أحَدُكُمْ مُصِيْبَةً فِي الدُّنْيَا إلاَّ كَفَّرَ عَنْهُ بهَا خَطِيْئَةً ؛ حَتَّى الشّوءكَةَ يُشَاكُهَا فِي قًدَمِهِ"."

وقال الحسنُ في قولهِ تعالى: { مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } قال (الْكَافِرُ ، وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَلاَ يُجَازَى يَوْمَ الْقيَامَةِ إلاَّ بأَحْسَنِ عَمَلِهِ وَيُتَجَاوَزُ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ) ثُمَّ قَرَأَ { لِيُكَـفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ } [الزمر: 35] وقَرَأ { وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ } [سبأ: 35] .

ولولا السُّنة لأمكنَ ان يقالَ: إنَّ الآيةَ تنزلت في الكفَّار ؛ لأنَّ في سياقِ الآية: { وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا } ؛ ومَنْ لم يكن لهُ يومَ القيامةِ ولِيٌّ ولا نصيرٌ كان كافرًا ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قد ضَمِنَ نصرَ المؤمنين في الدَّارَين فقالَ تعالى: { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ } [غافر: 51] . ولكنَّ الخطابَ إذا وَرَدَ مُجْمَلًا ، وبَيَّنَ الرَّسُولُ عليه السلام كَانَ الْحُكمُ لِبَيَانِهِ لاَ لِلآيَةِ ؛ إذِ البَيَانُ إلَيْهِ صلى الله عليه وسلم ، قال اللهُ تعالى: { لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ } [النحل: 44] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت