فهرس الكتاب

الصفحة 191 من 4495

قولهُ عَزَّ وَجَلَّ: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً } ؛ قال ابنُ عباس: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيْمَنْ أسْلَمَ مِنْ أهْلِ الْكِتَاب: عَبْدُاللهِ بْنُ سَلاَمٍ وَأصْحَابُهُ ، وَذَلِكَ أنَّهُمْ عَظَّمُواْ السَّبْتَ وَكَرِهُواْ لُحُومَ الإبلِ وَألْبَانَهَا ، وَاتَّقَواْ أشْيَاءَ كَانُواْ يَتَّقُونَهَا قَبْلَ أنْ يُسْلِمُواْ. وَقَالُواْ: يَا رَسُولَ اللهِ ، إنَّ التَّوْرَاةَ كِتَابُ اللهِ ، فَدَعْنَا فَلْنُقِمْ فِي صَلاَتِنَا باللَّيْلِ ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ وَأمَرَهُمْ أنْ يَدْخُلُواْ فِي جَمِيْعِ شَرَائِعِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم) .

ومعناها: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً } أي في الإسلامِ ، وقال مجاهدٌ: (فِي أحْكَامِ الدِّيْنِ وَأعْمَالِهِ) . وأصلهُ من الاسْتِسْلاَمِ والانقيادِ ؛ ولذلك قيلَ للصلح: سِلْمٌ. وقال حذيفةُ في هذه الآية: (الإسْلاَمُ ثَمَانِيَةُ أسْهُمٍ: الصَّلاَةُ سَهْمٌ ، وَالزَّكَاةُ سَهْمٌ ، وَالصَّوْمُ سَهْمٌ ، وَالْحَجُّ سَهْمٌ ، وَالْعُمْرَةُ سَهْمٌ ، وَالْجِهَادُ سَهْمٌ ، وَالأَمْرُ بالْمَعْرُوفِ سَهْمٌ ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ سَهْمٌ. وَقَدْ خَابَ مَنْ لاَ سَهْمَ لَهُ) .

وقال الحسنُ رضي الله عنه: (مَعْنَى الآيَةِ: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ } تَكَلَّمُواْ بكَلِمَةِ الإيْمَانِ ؛ أيْ أقِيْمُواْ عَلَى الإيْمَانِ) حَثَّ اللهُُ تعالى بهذه الآيةِ جميعَ المؤمنين على الإسلامِ والطاعة لِمن يشري نفسه ؛ ألا تراهُ قال بعدَ ذلك: { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } ؛ أي لا تفعلوا فعل ألَدِّ الْخِصَامِ. وقيلَ: { وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } أي لا تقتفوا آثارَهُ ؛ لأنَّ تَرْكَكُمْ شيئًا من شرائعِ الإسلام اتباعٌ للشيطان.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ؛ أي إنه عدوٌّ لكم ظاهرُ العداوة ، فإن قيل: كيفَ قال الله تعالى: { إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } وهو لَم يُبْدِ لنا شخصهُ ؟ قِيْلَ: قد كانَ إبداؤهُ العداوةَ لأبينا آدمَ عليه السلام حين امتنعَ من السُّجودِ له وقال: أنا خيرٌ منه ، فكان إبداؤُه وإظهاره العداوةَ لأبينا آدم عليه السلام أبداءً وإظهارًا لنا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { كَآفَّةً } أي جميعًا مأخوذٌ من: كَكَفْتُ الثَّوْبَ ؛ أي جَمَعْتُهُ وَضَمَمْتُ بَعْضَهُ إلَى بَعْضٍ. ومعنى كافَّة في اللغة: مشتقٌ من كَفَّ الشَّيْءَ يَكُفُّهُ ؛ أي مَنَعَهُ. وسميت الراحةُ مع الأصابع كفًّا ؛ لأنَّها يكفُّ بها عن سائر البدن. ورجلٌ مَكْفُوفٌ: أي كُفَّ بصرهُ عن النظرِ. ومنه قيل لحاشية القميصِ: كُفَّةُ ؛ لأنَّها تَمنعُ الثوبَ من أنْ ينتشرَ. وكلُّ مستطيلٍ فحرفه كُفُّة بالضم ، وكل مستديرٍ فحرفه كِفَّةُ بالكسر نحو: كِفَّةُ الميزانِ.

واختلفَ القراءُ في السَّلَمِ ؛ فقرأ ابنُ عباس والأعمش: (السِّلْمِ) بكسرِ السين هنا وفي الأنفال وسورةِ محمدٍ. وقرأ أهل الحجاز والكسائي بالفتحِ ، وقرأ حمزةُ وخَلَفٌ في الأنفال بالفتحِ وسائرها بالكسرِ ، وقرأ الباقون هنا بالكسرِ والباقي بالفتح ، وهما لغتان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت