فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّآءِ وَالضَّرَّآءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ } ؛ أول هذه الآيةِ نعتٌ للمتقينَ ، ومعناها: الذين يتصدَّقون في حال اليُسْرِ والعُسْرِ والضرَّاءِ والشدَّة والرخَاءِ ، يعني أنَّهم يُنْفِقُونَ على الدَّوام لا يَمْنَعُهُمْ قلةُ المالِ ولا كَثْرَتُهُ عن الإنفاقِ ، فأولُ ما ذَكَرَ اللهُ من أخلاقِ المتقينَ الموجبةِ لَهم الجنةَ: السَّخَاءُ ؛ قال صلى الله عليه وسلم:"الْجَنَّةُ دَارُ الأَسْخِيَاءِ ، وَالسَّخِيُّ قَرِيْبٌ مِنَ اللهِ ؛ قَرِيْبٌ مِنَ الْجَنَّةِ ؛ بَعِيْدٌ مِنَ النَّار ، وَالْبَخِيْلُ بَعِيْدٌ مِنَ اللهِ ؛ بَعِيْدٌ مِنَ الْجَنَّةِ ؛ قَرِيْبٌ مِنَ النَّار. وَالْجَاهِلُ السَّخِيُّ أحَبُّ إلَى اللهِ مِنَ الْعَالِمِ الْبَخِيْلِ"

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ } أي الكافينَ غَيْظَهُمْ عن إمضائهِ ، يردُّون غيظَهم في أجوافِهم ويصبرون ، وَالْكَظْمُ: الْحَبْسُ وَالشَّدُّ ، يقالُ: كَظَمْتُ الْقِرْبَةَ ؛ إذا مَلأْتُهَا ثُمَّ شَدَدْتُ رَأْسَهَا عَلَى الإمْتِلاَءِ. وَالْغَيْظُ: هُوَ انْتِفَاضُ الطَّبْعِ مَا يَكْرَهُهُ ، ولِهذا لا يجوزُ الغيظُ على اللهِ وإن كان يجوزُ عليه الغضبُ ؛ لأنَّ الغضبَ هو إرادةُ العقاب.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ } معناهُ: الذين يَعْفُونَ عنِ المذنبينَ من الأحرار والمملوكين. وقد رُويَ عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ:"مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أنْ يُنْفِذهُ فَلَمْ يُنْفِذْهُ ؛ زَوَّجَهُ اللهُ مِنْ الْحُور الْعِيْنِ حَيْثُ شَاءَ ، وَمَا عَفَا رَجُلٌ عَنْ مَظْلَمَةٍ إلاَّ زَادَهُ اللهُ بهَا عِزًّا ، وَلاَ نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مَالًا قَطُّ ؛ فَتَصَدَّقُواْ ، وَلاَ فَتَحَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ إلاَّ فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ ، وأَعْظَمُ النَّاسِ عَفْوًا مَنْ عَفَا عَنْ قُدْرَةٍ"

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } ؛ أي يُثْنِي على المحسنينَ إلى الناسِ ، ويرضَى عملَهم. قال عِيْسَى عليه السلام: لَيْسَ الأَحْسَنُ أنْ تُحْسِنَ إلَى مَنْ أحْسَنَ إلَيْكَ ، ذاكَ مُكَافَأَةٌ! إنَّمَا الأَحْسَنُ أنْ تُحْسِنَ إلَى مَنْ أَسَاءَ إلَيْكَ. وعن أبي هُريرة رضي الله عنه:"أنَّ أبَا بَكْرٍ رضي الله عنه كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَجْلِسٍ ، فَجَاءَ رَجُلٌ ؛ فَكَانَ يَشْتِمُ أبَا بَكْرٍ وَهُوَ سَاكِتٌ وَالنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَبَسَّمُ ، ثُمَّ رَدَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الرَّجُلِ بَعْضَ الَّذِي قَالَ ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَامَ ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ شَتَمَنِي وَأَنْتَ تَبْتَسِمُ ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ؟! فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"إنَّكَ حِيْنَ كُنْتَ سَاكِتًا كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا تَكَلَّمْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ ، فَلَمْ أكُنْ لأَقْعُدَ فِي مَقْعَدٍ فِيهِ الشَّيْطَانُ"وعن أنسٍ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"رَأَيْتُ قُصُورًا مُشْرِفَةً عَلَى الجَنَّةِ ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيْلُ لِمَنْ هَذِهِ! ؟ قَالَ: لِلْكَاظِمِيْنَ الْغَيْظَ وَالْعَافِيْنَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِيْن""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت