قولهُ عَزَّ وَجَلَّ: { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ } ؛ قرأ حمزة وحفص: (لَيْسَ الْبرَّ) بالنصب ، ووجهُ ذلك: أنهما جعلا (أنْ) وصلتهما في موضع الرفع على اسم ليس ، تقديره: ليس توليتكم وجوهكم البرَّ ، كقولهِ تعالى: { فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي النَّارِ } [الحشر: 17] . وقرأ الباقون بالرفع على أنه اسمُ (لَيْسَ) .
واختلفَ المفسرون في هذه الآية: فقال قومٌ: أراد بها اليهودَ والنصارى قبل المشرق ، وزعمَ كل فريقٍ منهم أن البرَّ في ذلك ، فأخبرَ الله تعالى أن البرَّ غيرُ دينهم وعملهم ، وعلى هذا القول قتادةُ والربيع ومقاتل.
وقيل: لَمَّا حُوِّلَتِ القبلةُ إلى الكعبة كَثُرَ الخوضُ في أمر القبلة ، فتوجَّهت. النصارى نحوَ المشرق ، واليهود يصلونَ قِبل المغرب إلى بيت المقدس ، واتخذوهُما قبلةً وزعموا أنه البرُّ ، فأكذبَهم اللهُ تعالى بهذا وبيَّن أن البر في طاعته واتباعِ أمره ، وأن البرَّ يتمُّ بالإيْمان. وقيل: معناهُ: ليس البرُّ كلهُ في الصَّلاة فقط ، { وَلَـاكِنَّ الْبِرَّ } ، الذي يؤدِّي للثواب ، { مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ } ، والإقرار بالملائكة أنَّهم عبادُ الله ورسله ؛ لا كما قال بعض الكفار: أنَّ الملائكة بناتُ الله. والإقرار بالنبييِّن كلهم.
فإنْ قيلَ لَهم: جعل (مَنْ) خبرَ (الْبرَّ) و (مَنْ) اسمٌ و (الْبرَّ) فعلٌ ، وهم لا يُجبَرُونَ: (الْبرَّ) زيْدَ. قيل: معناهُ عند بعضهم: ولكنَّ البرَّ الإيْمانُ بالله ، والعربُ تجعل الاسم خبرًا للفعل كقولهم: البرُّ الصادقُ الذي يصلُ رحِمه ويخفي صدقتهُ ، يريدون صلةَ الرحمِ وإخفاءَ الصدقةِ ، فيكون (مَنْ) في موضعِ الْمَصْدَر كأنه قال: ولكن البرَّ مَن آمن بالله والْبرُّ برُّ مَن آمَنَ بالله ، كما يقال: الْجُودُ من حاتمٍ ؛ والشجاعةُ من عنترٍ ؛ أي الجود جودُ حاتم ، والشجاعة شجاعة عنتر ، ومثله قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ } [يوسف: 82]
أي أهلَ القريةِ. { مَّا خَلْقُكُمْ وَلاَ بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ } [لقمان: 28] ؛ أي كخَلقِ نفسٍ. وقال أبو عُبيدة: (مَعْنَاهُ: وَلَكِنَّ الْبَارَّ مَنْ آمَنَ باللهِ ، كَقَوْلِهِ: { وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى } [طه: 132] أيْ لِلْمُتَّقِي) . وقيل: معناهُ: ولكن ذا البرَّ مَن آمنَ بالله ، كقوله: { هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ } [آل عمران: 163] هم ذو درجاتٍ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ } ؛ أي مَن آمنَ بالله والملائكةِ كلهم والكتاب يعني الكتبَ ، والنبيينَ أجمع.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ } ؛ اختلفوا في الهاء الذي في (حُبهِ) ؛ فقال أكثرُ المفسرين: الهاءُ في (حُبهِ) راجعٌ إلى المال ؛ يعني إعطاءَ المال في صحتهِ ومحبتهِ إياهُ وصلته به ، وهو صحيحٌ يخشى الفقر ويأملُ الغنى ، ولا يهمل حتى إذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ فيقول: لفلانٍ كذا أو لفلان كذا. أو قيل: هي عائدةٌ إلى الله ؛ أي على حب الله تعالى. وقيل: على حب الأنبياء.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { ذَوِي الْقُرْبَى } ؛ أي أهل القربَى ؛ قال صلى الله عليه وسلم:"أفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلَى ذَوي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ"