فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } ؛ وذلك: أنَّهُ لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأصْحَابُهُ إلَى الْمَدِيْنَةِ وَقَدْ أصَابَهُمْ مَا أصَابَهُمْ: قَالَ أنَاسٌ مِنْهُمْ: مِنْ أيْنَ أصَابَنَا هَذا وَقَدْ وَعَدَنَا اللهُ النَّصْرَ؟! فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ } الذي وعدَ بالنصرِ والظَّفَرِ يومَ أحُدٍ وهو قولهُ: { وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ } [آل عمران: 120] الآيةُ.

"وقَوْلُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم للرُّمَاةِ:"لاَ تَبْرَحُواْ مِنْ مَكَانِكُمْ"، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم قَدْ جَعَلَ أحُدًا خَلْفَ ظَهْرِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْمَدِيْنَةَ ، وَأقَامَ الرُّمَاةَ فِيْمَا يَلِي خَيْلَ الْمُشْرِكِيْنَ ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَاللهِ بْنَ جُبَيْرٍ الأَنْصَارِيَّ ، وَقَالَ لَهُمْ:"احْمُوا ظُهُورَنَا ، وَإنْ رَأيْتُمُونَا قَدْ عِشْنَا فَلاَ تُشْرِكُونَا ، وَإنْ رَأيْتُمُونَا نُقْتَلُ فَلاَ تَنْصُرُونَا"وأَقْبَلَ الْمُشْرِكُونَ وأَخَذُواْ فِي الْقِتالِ ، فَجَعَلَ الرُّمَاةُ يَتَرَشَّقُونَ خَيْلَ الْمُشْرِكِيْنَ بالنَّبْلِ ، وَالْمُسْلِمُونَ يَضْرِبُونَهُمْ بالسَّيْفِ ؛ حَتَّى وَلَّوْا هَاربيْنَ وانْكَشَفُواْ مَهْزُومِيْنَ ، فَذلِكَ قَوْلُهُ { إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } أي تقتلونَهم قَتْلًا ذريعًا شديدًا في أوَّل الحرب بأمْرِه وعلمِه { حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ } أي إلَى أن فَشِلْتُمْ جعلُوا (حَتَّى) بمعنى (إلَى) فحينئذ لا جوابَ لهُ ، وقيل: (حَتَّى) بمعنى: فَلَمَّا ، وفي الكلامِ تقديمٌ وتأخير."

قالوا: وفِي قوله { وَتَنَازَعْتُمْ } مُقْحَمَةٌ تقديرهُ: حتَّى اذا تنازَعتم في الأمرِ وعصيتُم فشِلْتُم ؛ أي جَبُنْتُمْ وضَعُفْتُمْ. وكان { تَنَازَعْتُمْ } أنَّ الرُّمَاةَ لَمَّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَقَعَ المُسْلِمُونَ فِي الْغَنَائِمِ ؛ قَالُواْ: قَدِ انْهَزَمَ الْقَوْمُ وَأمِنَّا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تُجَاوزُواْ أمْرَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَثَبَتَ عَبْدُاللهِ بْنُ جُبَيرٍ فِي نَفَرٍ يَسِيْرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ دُونَ الْعَشْرَةِ ؛ قِيْلَ: ثََمَانِيَةٌ ، وَانْطَلَقَ الْبَاقُونَ يَنْتَهِبُونَ ، فَلَمَّا نَظَرَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيْدِ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أبي جَهْلٍ إلَى ذلِكَ ؛ حَمَلُواْ عَلَى الرُّمَاةِ مِنْ قِبَلِ ذلِكَ الشِّعْب فِي مِائَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ فَارِسًا مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ ، وَكَانَ خَالِدُ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكًا ؛ فَقَتَلَ عَبْدَاللهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَمَنْ بَقِيَ مَعَهُ مِنَ الرُّمَاةِ ، وأَقْبَلُوا عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ مِنْ خَلْفِهِمْ ، وَتَفَرَّقَ الْمُسْلِمُونَ وَانْتَقَضَتْ صُفُوفُهُمْ وَاخْتَلَطُواْ ، وَحَمَلَ عَلَيْهِمُ الْمُشْرِكُونَ حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ ، وَصَارَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ بَيْنِ قَتِيْلٍ وَجَرِيْحٍ وَمُنْهَزِمٍ وَمَدْهُوشٍ ، وَنَادَى إبْلِيْسُ: ألاَ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ ، فذلكَ قوْلُهُ تَعَالَى: { حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ } أي لَمَّا اختلفتُم في الأمرِ الذي أمرَكم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من الثباتِ على المركزِ ، وعصيتُم الرسولَ من بعدِ ما أراكُم ما تحبُّون من النَّصرِ على عدوِّكم والظفرِ والغنيمة. قال بعضُ المفسِّرين: جوابُ { إِذَا فَشِلْتُمْ } هَا هُنَا مُقَدَّرٌ ، كأنهُ قالَ: إذا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ امْتُحِنْتُمْ بما رأيتُم من القتلِ والبلاءِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ } ؛ معنى: مِنَ الرُّمَاةِ مَن يريدُ الحياة ؟ وهمُ الذينَ تركُوا الْمَرْكَزَ وَلم يَثْبُتُوا فيهِ ووقعُوا في الغنائمِ ، { وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ } يعني: الذينَ ثَبَتُوا في المركزِ مع عبدِاللهِ بن جُبير وباقِي الرُّماة حتَّى قُتِلُوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت