قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ } ؛ نزلت في عُقْبَةَ بْنِ أبي مُعِيْطٍ كان إذا أرادَ أن يُؤْمِنَ فقالَ لهُ أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ وكان صَديقًا لهُ: صَبَأْتَ يَا عُقْبَةُ! لَئِنْ آمَنْتَ لَمْ أُكَلِّمْكَ أبَدًا ، فامتنعَ عن الإيْمانِ حتى قُتِلَ يومَ بدرٍ كافرًا ، وقَتَلَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ يومَ أُحُدٍ.
وَقِيْلَ:"إنَّ عُقْبَةَ بنَ أبي مُعِيْطٍ كان لا يقْدُمُ من سَفَرٍ إلاّ صَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا عَلَيْهِ أشْرَافَ قَوْمِهِ ، وَكَانَ يُكْثِرُ مُجَالَسَةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَدِمَ ذاتَ يَوْمٍ مِنْ سَفَرٍ ، فَصَنَعَ طَعَامًا فَدَعَا عَلَيْهِ النَّاسَ ، وَدَعَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَلَمَّا قَرُبَ الطَّعَامُ قَالَ صلى الله عليه وسلم:"مَا نَأْكُلُ مِنْ طَعَامِكَ يَا عُقْبَةُ حَتَّى تَشْهَدَ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَأنِّي رَسُولُ اللهِ"فَقَالَ عُقْبَةُ: أشْهَدُ أنْ لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ وَأنَّكَ رَسُولُ اللهِ ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وَكَانَ أُبّيُّ بْنُ خَلَفٍ غَائِبًا ، فَلَمَّا أُخْبرَ بإسْلاَمِ عُقْبَةَ وَكَانَ صَدِيْقَهُ ، قَالَ لَهُ: أصَبَوْتَ يَا عُقْبَةُ؟! فَقَالَ: لاَ ؛ وَاللهِ مَا صَبَوْتُ وَإنَّ أخَاكَ كَمَا تَعْلَمُ ، وَلَكِنِّي صَنَعْتُ طَعَامًا فَأَبَى أنْ يَأْكُلَ مِنْ طَعَامِي إلاَّ أنْ أشْهَدَ ، فَاسْتَحْيَيْتُ أنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِي وَلَمْ يَطْعَمْ ، فَشَهِدْتُ لَهُ وَلَيْسَ فِي نَفِسِي ذلِكَ ، فَقَالَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ: يَا عُقْبَةُ! مَا أنَا بالَّذِي أرْضَى مِنْكَ أبَدًا حَتَّى تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ فِي وَجْهِهِ! فَفَعَلَ عُقْبَةُ ذلِكَ".
قال الضحَّاكُ: (لَمَّا بَزَقَ عُقْبَةُ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، عَادَ بُزَاقُهُ فِي وَجْهِهِ وَلَسَعَهُ لَسْعَةً فَأَحْرَقَ خَدَّيْهِ ، وَكَانَ أثَرُ ذلِكَ فِيْهِ حَتَّى الْمَوْتِ) . وعن عطاءٍ عن ابنِ عبَّاس قال: (كَانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يُجَالِسُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَيَسْمَعُ كَلاَمَهُ مِنْ غَيْرِ أنْ يُؤْمِنَ بهِ ، فَلَمَّا أرَادَ عُقْبَةُ بْنُ أبي مُعِيْطٍ أنْ يُؤْمِنَ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم زَجَرَهُ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ ، وَكَانَ خَلِيْلًا لَهُ ، فَقَالَ لَهُ: وَجْهِي مِنْ وَجْهِكَ حَرَامٌ إنْ بَايَعْتَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم. فَلَمْ يُؤْمِنْ وَاتَّبَعَ رضَى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ } يعني عقبةَ بن أبي مُعيطٍ ، يعضُّ على يديه تَنَدُّمًا وتَحَسُّرًا وأسَفًا على ما فَرَّطَ في جنب الله. قال عطاءُ: (يَأْكُلُ يَدَيْهِ حَتَّى يَذْهَبَا إلَى الْمِرْفَقَيْنِ ، ثُمَّ يَنْبُتَانِ ، فَلاَ يَزَالُ هَكَذا دَأبُهُ ، كُلَّمَا نَبَتَتْ يَدُهُ أكَلَهَا نَدَامَةً عَلَى مَا فَعَلَ ، وَذلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ثُم { يَقُولُ } ، على وجه التحسر: { يالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا } ؛ أي لَيْتَنِي اتبعتُ الرسولَ وسلكتُ طريقته فإنَّها طريقُ الهدى ، { يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلًا } ؛ يعني أُبَيَّ بنَ خلفٍ ، { لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي } ؛ أي لقد صَرَفَنِي عن القُرْآنِ بعد إذ دعانِي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم.