فهرس الكتاب

الصفحة 2148 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ } ؛ أي دَخَلَ الضرُّ في جسدِي ، { وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ } ؛ بالعبادِ ، فكان هذا تَعْرِيْضًا منهُ بالدعاءِ لله لإزالة ما بهِ من الضُّرِّ ، { فَاسْتَجَبْنَا لَهُ } دعاءَهُ ، { فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ } ؛ وقولهُ تعالى: { وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } ؛ قال ابنُ مسعود وقتادة والحسنُ: (أحْيَا اللهُ لَهُ أوْلاَدَهُ الَّذِيْنَ هَلَكُوا فِي الدُّنْيَا بأَعْيَانِهِمْ وَرَدَدْنَا لَهُ مِثْلَهُمْ) .

ويقالُ: أبْدَلَهُ اللهُ بكلِّ شيء ذهبَ عنه ضِعْفَ ،"وعن ابنِ عبَّاس قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: { وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ } [ص: 43] فقالَ:"يَا ابْنَ عَبَّاسٍ ، رَدَّ اللهُ امْرَأتَهُ وَزَادَ فِي شَبَابهَا حَتَّى وَلَدَتْ لَهُ سِتَّةً وَعِشْرِيْنَ ذكَرًا". قَوْلُهُ تَعَالَى: { رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا } ؛ أي فَعَلْنَا ذلك به رحمةً من عندنا ، { وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ } ؛ أي وموعظةً للمطيعين."

قال وهبُ بن مَنبه: (كان أيوبُ عليه السلام رجلًا من الرُّوم من ذريَّة اسحق بن إبراهيمَ وكانت أمُّهُ من ولدِ لُوطٍ ، وكان اللهُ قد اصطفاهُ وبناه وبسطَ عليه الدُّنيا ، وآتاهُ من أصناف المال من البقرِ والإبل والغنم والخيل والْحُمُرِ ما لا يؤتيهِ أحدًا ، وكان قد أعطاهُ الله أهلًا ووَلدًا من رجالٍ ونساء ، وكان له خمسمائة عبدٍ ، لكلِّ عبدٍ امرأةٌ وولد ومال.

وكان أيوبُ عليه السلام بَرًّا تَقِيًّا رحيمًا بالمساكين ، يُكْرِمُ الأراملَ والأيتام ويَكْفُلُهُمْ ، ويُكْرِمُ الضيفَ ، وكان شَاكرًا لأنْعُمِ اللهِ ، مؤدِّيًا لحقِّ الله ، قد امتنعَ من عدوِّ الله إبليسَ أن يصيبَ منه ما يصيبُ من أهلِ الغِنَى من الفتنةِ والغفلة والشَّهوة والتشاغُلِ عن أمر الله بما هو فيه من الدُّنيا ، وكان كثيرَ الذكرِ لله تعالى مجتهدًا في العبادةِ ، وكان إبليسُ لا يُحْجَبُ عن شيءٍ من السَّموات.

ومن هنا وصلَ إلى آدمَ عليه السلام حين أخرجَهُ من الجنةِ ، فلم يزلْ على ذلك يصعدُ في السَّموات حتى رفعَ اللهُ عيسى عليه السلام فحُجِبَ من أربعٍ ، وكان يصعدُ في الثلاثِ ، فلمَّا بعثَ الله مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم جُجِبَ من الثلاثِ الباقيات ، فهو وجنودهُ مَحْجُوبُونَ من جميعِ السموات إلى يوم القيامةِ إلاّ مَن اسْتَرَقَ فأتبعهُ شهابٌ ثاقب.

فلما كان إبليسُ في زمان أيوبَ يصعدُ إلى السَّماء ، سَمِعَ تحاديثَ الملائكة بصلاة أيوبَ ، وذلك حين ذكَرَهُ اللهُ وأثنى عليهِ ، فأدركَهُ الحسدُ بأيوب ، فصعدَ سريعًا حتى وَقَفَ مِن السموات موقفًا كان يَقْفُهُ ، وقال: إلَهي ؛ عبدُكَ أيوبُ قد أنعمتَ عليه فشكركَ ، وعَافَيتَهُ فَحَمِدَكَ ، ولَم تُجَرِّبْهُ بشدَّة ولا بلاءٍ ، وأنا لك زعيمٌ لَئِنْ جرَّبتَهُ بالبلاءِ ليَكْفُرَنَّ بكَ.

فقالَ اللهُ تعالى: انطلق ؛ فَقَدْ سَلَّطْتُكَ على مالهِ ، فانقضَّ إبليسُ حتى وقعَ على الأرضِ وجَمَعَ عفاريتَ الجنِّ وقال لَهم: ماذا عندَكُم من القوَّة ؟ فإنِّي قد سُلِّطْتُ على مالِ أيُّوبَ ، وهي المصيبةُ الكبرى والفتنةُ التي لا تَصْبرُ عليها الرجالُ ، فقال عفريتٌ من الجنِّ: أعطيتُ من القوةِ ما إذا شِئْتُ تَحَوَّلْتُ إعصارًا من النار ، وأحرقتُ كلَّ شيءٍ أتى عليه ، فقال لهُ ابليسُ: إذهب إلَى الإبلِ ورُعاتِها ، فذهب إلى الإبلِ فوجدَها في المرعى ، فلم يشعُرِ الناسُ حتى ثارَ إعصارٌ تنفخُ منه السَّموم ، لا يدنو منهُ أحدٌ إلاّ احترقَ ، فلم يزل يُحرِقُها ورعاتَها حتى أتى على آخرِها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت