فهرس الكتاب

الصفحة 1735 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } ؛ أي سُبحان الذي أسْرَى بعبدهِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم في ليلةٍ واحدة من مَسجِدِ مكَّة إلى مسجدِ بيتِ المقدس.

وسُمِّي مسجدُ بيتِ المقدس المسجدَ الأقصى ؛ لأنه لم يكن وراءَهُ مسجدٌ يُعْبَدُ اللهُ فيه. وقيل: لأنه أبعدُ المساجدِ التي تُزار ، قالَ صلى الله عليه وسلم:"أنَا فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي الْحِجْرِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ ، إذْ أتَانِي جِبْرِيلُ بالْبُرَاقِ..."وذكرَ حديث المعراجِ"."

وقال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: (أُسْرِيَ بهِ مِنْ بَيْتِ أُمِّ هَانِئ بنْتِ أبي طَالِبٍ أُخْتِ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ ، وَالْحَرَمُ كُلُّهُ مَسْجِدٌ) . وعن الكلبي عن أبي صالحٍ عن أُمِّ هانئ أنَّها كانت تقولُ: (مَا أُسْرِيَ برَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلاَّ وَهُوَ فِي بَيْتٍ) ، قال مقاتلُ: (كَانَ الإسْرَاءُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بسَنَةٍ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ } صفةُ بيتِ المقدسِ ، بارَكَ الله فيما حولَهُ بالأشجار والأثمار والأنهار حتى لا يحتَاجُون إلى أنْ يُجلَبَ إليهم من موضعٍ آخر: وَقِيْلَ: يَعْنِي { بَارَكْنَا حَوْلَهُ } : جعلنَاهُ مَوضعًا للأنبياءِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ ، وفيه مَهبطُ الملائكةِ ، وفيه الوحيُ ، وفيه الصَّخرةُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ } ؛ أي من عَجائب قُدرَتِنا ، { إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ } ؛ لمقالةِ قُريشٍ وإنكارِهم { البَصِيرُ } ؛ بهم وبأعمالهم.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم"لَمَّا كَانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بي وَأنَا بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ ، جَاءَنِي جِبْرِيلُ عليه السلام وَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ قُمْ ، فَقُمْتُ فَإذا جِبْرِيلُ مَعَهُ مِيكَائِيلُ ، فَقَالَ لِي: تَوَضَّأْ ، فَتَوَضَّأْتُ ، ثُمَّ قَالَ لِي: انْطَلِقْ يَا مُحَمَّدُ ، فَقُلْتُ: إلَى أيْنَ ؟ فَقَالَ: إلَى رَبكَ. فَأَخَذ بيَدِي وَأخْرَجَنِي مِنَ الْمَسْجِدِ ، فَإذا بالْبُرَاقِ دَابَّةٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ ، خَدُّهُ كَخَدِّ الإنْسَانِ ، وَذنَبُهُ كَذنَبِ الْبَعِيرِ ، وَأظْلاَفُهُ كَأَظْلاَفِ الْبَقَرِ ، وَصَدْرُهُ كَأَنَّهُ يَاقُوتَةٌ حَمْرَاءُ ، وَظَهْرُهُ كَأَنَّهُ دُرَّةٌ بَيْضَاءُ ، عَلَيْهِ رَحْلٌ مِنْ رحَالِ الْجَنَّةِ ، خَطْوُهُ مُنْتَهَى طَرْفِهِ. فَقَالَ لِي: ارْكَبْ ، فَلَمَّا وَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ شَمَسَ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: مَهْلًا يَا بُرَاقُ ؛ أمَا تَسْتَحِي! فَوَاللهِ مَا رَكِبَكَ نَبيٌّ أكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنْ هَذا ، هُوَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. فَارْتَعَشَ الْبُرَاقُ ، وَتَصَبَّبَ عَرَقًا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، ثُمَّ خَفَضَ حَتَّى لَزَقَ بالأَرْضِ ، فَرَكِبْتُهُ وَاسْتَوَيْتُ عَلَى ظَهْرِهِ."

قَامَ جِبْرِيلُ نَحْوَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى يَخْطُو مَدَّ الْبَصَرِ ، وَالْبُرَاقُ يَتْبَعُهُ لاَ يَفُوتُ أحَدُهُمَا الآخَرَ حَتَّى أتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، فَإذا بالْمَلاَئِكَةِ قَدْ نَزَلُوا مِنَ السَّمَاءِ يَتَلَقَّوْنِي بالْبشَارَةِ وَالْكَرَامَةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ ، فَلَمَّا وَصَلْتُ بَابَ الْمَسْجِدِ أنْزَلَنِي جِبْرِيلُ ، وَرَبَطَ الْبُرَاقَ بالْحَلَقَةِ الَّتِي كَانَتْ تَرْبطُ بهَا الأَنْبيَاءُ ، وَكَانَ لِلبُراقِ خِطَامٌ مِنْ حَرِيرِ الْجَنَّةِ ، فَصَلَّيْتُ فِي الْمَسْجِدِ رَكْعَتَيْنِ ، وَالْمَلاَئِكَةُ خَلْفِي صُفُوفًا يُصَلُّونَ مَعِي.

ثُمَّ أخَذ جِبْرِيلُ بيَدِي ، وَانْطَلَقَ بي إلَى الصَّخْرَةِ فَصَعَدَ بي عَلَيْهَا. وَإذا مِعْرَاجٌ أصُلُهُ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَرَأسُهُ مُلْتَصِقٌ بالسَّمَاءِ ، إحْدَى عَارِضَيْهِ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاء وَالأُخْرَى زُبُرْجُدَةٌ خَضْرَاءُ ، وَدَرْجُهُ زُمُرُّدٌ مُكَلَّلٌ بالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ ، فَاحْتَمَلَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى وَضَعَنِي عَلَى جَنَاحَيْهِ ، ثُمَّ صَعَدَ بي ذلِكَ الْمِعْرَاجَ حَتَّى وَصَلَ بي إلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا.

فَقَرَعَ الْبَابَ فَقِيلَ: مَنْ هَذا ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ ، قَالُوْا: مَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم. فَفَتَحُواْ الْبَابَ فَدَخَلْنَا ، فَقَالُواْ: مَرْحَبًا وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلَى آدَمَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذا ؟ قَالَ: أبُوكَ آدَمُ ، فَسَلَّمْتُ عَلِيْهِ فَقَالَ: مَرْحَبًا بكَ ، بالابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبيِّ الصَّالِحِ.

ثُمَّ انْطَلَقْنَا حَتَّى أتَيْنَا السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ فَفَتَحُواْ لَنَا وَقَالُواْ: مَرْحَبًا برَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ رَسُولُ اللهِ ، فَأَتَيْتُ عَلَى عِيسَى وَيَحْيَى فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذانِ ؟ قَالَ: عِيسَى وَيَحْيَى ابْنَا الْخَالَةِ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا ، فَقَالاَ: مَرْحَبًا بالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبيِّ الصَّالِحِ.

ثُمَّ انْطَلَقْنَا إلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقَالُواْ: مَنْ هَذا ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ وَمَعِي مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم ، فَفَتَحُواْ وَقَالُواْ: مَرْحَبًا بهِ وَلَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ ، قَالَ: جَاءَ ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلَى يُوسُفَ عليه السلام فَقَالَ: مَرْحَبًا بالأَخِ الصَّالِحِ.

ثُمَّ أتَيْنَا السَّمَاءَ الرَّابعَةَ فَكَانَ مِنَ الاسْتِفْتَاحِ وَالْجَوَاب مِثْلَ مَا تَقَدَّمْ ، فَوَجَدْتُ إدْريسَ فَقَالَ لِي: مَرْحَبًا بالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبيِّ الصَّالِحِ. وَفِي السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ وَجَدْتُ هَارُونَ فَقَالَ لِي كَذلِكَ ، وَفِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَجَدْتُ مُوسَى فَقَالَ لِي كَذلِكَ ، وَفِي السَّمَاءِ السَّابعَةِ وَجَدْتُ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ لِي: مَرْحَبًا بالابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبيِّ الصَّالِحِ.

ثُمَّ رُفِعْتُ إلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، وَإنَّ نَبقَهَا مِثْلَ قِلاَلِ هَجَرٍ ، وَوَرَقُهَا كَأَذانِ الْفِيَلَةِ ، وَرَأيِْتُ أرْبَعَةَ أنْهَارٍ تَجْرِي مِنْ أصْلِهَا ، فَقُلْتُ يَا جِبْرِيلُ مَا هَذِهِ الأَنْهَارِ ؟ فَقَالَ: النَّهْرَانِ الْبَاطِنَانِ فِي الْجَنَّةِ ، وأمَّا النَّهْرَانِ الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ ، وَفِيهَا مَلاَئِكَةٌ لاَ يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إلاَّ اللهُ ، وَمَقَامُ جِبْرِيلَ فِي وَسَطِهَا ، فَلَمَّا انْتَهَيْتُ إلَيْهَا فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ: تَقَدَّمْ ، فَقُلْتُ: تَقَدَّمْ أنْتَ يَا جِبْرِيلُ! فَقَالَ: بَلْ تَقَدَّمْ أنْتَ يَا مُحَمَّدُ ؛ فَأَنْتَ أكْرَمُ عَلَى اللهِ مِنِّي.

قَالَ: فَتَقَدَّمْتُ وَجِبْرِيلُ عَلَى إثْرِي حَتَّى انْتِهَائِي إلَى حِجَابٍ مِنْ ذهَبٍ ، فَحَرَّكَهُ ، فَقِيلَ: مَنْ هَذا ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ وَمَعِي مُحَمَّدٌ ، فَأَخْرَجَ الْمَلَكُ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْحِجَاب ، فَاحْتَمَلَنِي وَتَخَلَّفَ جِبْرِيلُ ، فَقُلْتُ: إلَى أيْنَ ؟ فَقَالَ: وَمَا مِنَّا إلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ ، وَإنَّمَا أُذِنَ لِي فِي الدُّنُوِّ مِنَ الْحِجَاب لإكْرَامِكَ وَإجْلاَلِكَ. فَانْطَلَقَ بي الْمَلَكُ فِي أسْرَعِ مِنْ طُرْفَةِ عَيْنٍ إلَى حِجَابٍ آخَرَ ، فَحَرَّكَهُ فَقَالَ الْمَلَكُ: مَنْ هَذا ؟ فَقَالَ: هَذا مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعِي ، فَأخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الْحِجَاب ، فَاحْتَمَلَنِي حَتَّى وَسِعَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ.

فَلَمْ أزَلْ كَذلِكَ مِنْ حِجَابٍ إلَى حِجَابٍ حَتَّى سَبْعِينَ حِجَابًا ، غِلْظُ كُلِّ حِجَابٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ ، وَمَا بَيْنَ الْحِجَاب إلَى الْحِجَاب خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ ، ثُمَّ احْتُمْلِتُ إلَى الْعَرْشِ""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت