فهرس الكتاب

الصفحة 634 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ } ؛ أي قال هابيلُ لقابيلَ: إنْ كُنْتَ تريدُ قتلي فلا تَرْجِعْ عنهُ ، فَإنِّي أريدُ أن ترجعَ إلى اللهِ بإثْمِ دَمِي وإثمِ ذنْبكَ الذي مِن أجْلهِ لم يُتَقَبَّلُ قربانُكَ ، { فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } ؛ في الآخرةِ ؛ { وَذَلِكَ جَزَآءُ الظَّالِمِينَ } ؛ أي وذلكَ عقوبةُ مَن لَمْ يَرْضَ بحكمِ اللهِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ } ؛ أي طَاوَعَتْهُ نفسهُ ، وَقِيْلَ: زَيَّنَتْ لهُ قَتْلَهُ فَقَتَلَهُ. قال السُّدِّيُّ: (لََمَّا قَصَدَ قَابيْلُ قَتْلَ هَابيْلُ أتَاهُ فِي رَأسِ جَبَلٍ وَهُوَ نَائِمٌ وَغَنَمُهُ تَرْعَى ، فَأَخَذ صَخْرَةً فَشَدَخَ بهَا رَأسَهُ فَمَاتَ) .

وقال الضحَّاك: (كَانَ قَابيْلُ لاَ يَدْرِي كَيْفَ يَقْتُلُهُ حَتَّى جَاءَ إبْلِيْسُ وَبيَدِهِ حَيَّةٌ فَوَضَعَهَا بَيْنَ حَجَرَيْنِ ، فَرَضَخَ رَأسَهَا بالْحَجَرِ وَقَابيلُ يَنْظُرُ ، فَلَمَا نَظَرَ ذلِكَ جَاءَ إلَى هَابيلَ فَلَمْ يَزَلْ يَضْرِبُ بالْحِجَارَةِ عَلَى رَأسِهِ حَتَّى قَتَلَهُ ، وَكَانَ لِهَابيلَ يَوْمَ قُتِلَ عُشْرُونَ سَنَةً) . واختلفوا في موضعِ قتله ، قِيْلَ: قُتِلَ على جبلِ ثور. وقِيْلَ: بالبصرةِ.

فلمَّا مات هابيلُ قصَدتْهُ السِّباعُ لتأكلَهُ ، فحملَهُ قابيلُُ على ظهرهِ حتى انتنَّ ريحهُ ، فعكفَ الطُّيور والسِّباع حوالَيهِ تنتظرُ متى يُرمَي به فتأكلَهُ ، { فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ } ؛ فبعثَ الله غُرابين فاقتَتلا ، فقَتل أحدُهما صاحبه ، ثم حفرَ له بمنقارهِ ورجله ، ثم ألقاهُ في الحفيرةِ ووارَاهُ ، وقابيلُ ينتظرُ إليه فـ ؛ { قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـاذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ } .

وعن ابنِ عباس قالَ: (لَمَّا قَتَلَ قَابيلُ هَابيلَ رَجَعَ إلَى أبيهِ قَبْلَ أنْ يَدْفِنَهُ ، فَلَمَّا أبْطَأَ هَابيلُ قالَ آدَمُ عليه السلام: يَا قَابيلُ أينَ أخُوكَ ؟ قالَ: مَا رَأيْتُهُ ؛ وَكَأَنَّنِي بهِ أرْسَلَ غَنَمَهُ فِي زَرْعِي فَأَفْسَدَهُ ، فَلَعَلَّهُ خَافَ أنْ يَجِيءَ مِنْ أجْلِ ذلِكَ ، قَالَ: وَحَسَّتْ نَفْسُ آدَمَ ، فَبَاتَ لَيْلَتَهُ تِلْكَ مَحْزُونًا ، فَلَمَّا أصْبَحَ قَابيلُ غَدَا إلَى ذلِكَ الْمَوْضِعِ ، فَإذا هُوَ بغُرَابٍ يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ عَلَى غُرَابٍ مَيِّتٍ لِيُواريَهُ) .

وَقِيْلَ: بعثَ اللهُ الغرابَ إكرامًا لهابيل ، وكان الغرابُ يحثِي الترابَ على هابيل ليُرِيَ قابيل كيف يُواريه ؛ أي كيف يغطِّي عورتَهُ. وفي الخبرِ: أنَّهُ لَمَّا قتله سلبَهُ ثيابه ، وتركه عُريانًا. وَقِيلَ: أرادَ بالسَّوْءَةِ جسَدَ المقتولِ ، سماه سَوْءَةً لأنه لَمَّا بقي على وجهِ الأرض تغيَّرَ وَنَتَنَ ، والسوءَةُ في اللغة: عبارةٌ عن كل شيء مستنكرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ } ؛ الخاسرين ، أي صارَ من المغبونِين بالوزر والعقوبة. قال الكلبيُّ: (كَانَ قَابيلُ أوَّلَ مَنْ عَصَى اللهَ فِي الأَرْضِ مِنْ ولْدِ آدَمَ ، وَهُوَ أوَّلُ مَنْ يُسَاقُ إلَى النَّارِ) .

وقال مقاتلُ: (كَانَ قَبْلَ ذلِكَ تَسْتَأْنِسُ الطُّيُورُ وَالسِّبَاعُ وَالْوُحُوشُ بهِ ، فَلَمَّا قَتَلَ قَابيلَ نَفَرُواْ ، فَلَحِقَتِ الطُّيُورُ بالْهَواءِ ؛ وَالْوُحُوشُ بالْبَرِّيَّةِ ؛ وَالسِّبَاعُ فالفيَافِي وشَاكَ الشَّجَرُ ، وَتَغَيَّرَتِ الأَطْعِمَةُ وَحَمِضَتِ الْفَوَاكِهُ وَاغْبَرَّتِ الأَرْضُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت