فهرس الكتاب

الصفحة 2531 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { حَتَّى إِذَآ أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ } ؛ أي سَارُوا جميعًا حتَّى إذا وصَلُوا إلى وادٍ كثيرِ النَّمل ، قال كعبٌ: (هُوَ وَادٍ بالطَّائِفِ) ، وقال قتادةُ ومقاتل: (هُوَ بالشَّامِ) ، { قَالَتْ نَمْلَةٌ } ؛ لأصحابها على وَجْهِ التَّحذيرِ: { ياأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُواْ مَسَاكِنَكُمْ } ؛ أي منَازلَكم ، { لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ } ؛ أي لا يَكْسِرَنَّكُمْ سليمانُ وجنودهُ ، { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } ؛ بذلكَ ؛ أي وهم لا يَعْلَمُونَ بحَطْمِكُمْ ووَطْئِكُمْ ، فطارَتِ الريحُ بكلامِ النَّملةِ ، فأدخلتْهُ في أُذُنِ سُليمانَ عليه السلام ليسمَعَها ، { فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا } ؛ وكان أكثرُ ضَحِكِ الأنبياءِ عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ التَّبَسُّمُ.

ونُصِبَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { ضَاحِكًا } على الحالِ ، وسببُ ضَحِكِهِ مِن قَوْلِها التعجُّبُ ، وذلك أنَّ الإنسانَ إذا رأى ما لا عَهْدَ له بِهِ عَجِبَ وضَحِكَ. قال مقاتلُ: (ثُمَّ حَمَدَ رَبَّهُ حِيْنَ عَلَّمَهُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ ، وَسَمِعَ كَلاَمَ النَّمَْلَةِ) { وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ } ؛ يقالُ: فلانٌ مُوزَعٌ بكَذا ؛ أي مُولَعٌ بهِ ، وَقِيْلَ: معناهُ: وَفِّقْنِي أنْ أشْكُرَ نِعْمَتَكَ ، { الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ } وَ ، وَفِّقْنِي ، { وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ } ؛ في الآخرةِ.

فإن قِيْلَ: بَماذا عرفَتِ النملةُ سليمانَ ، وعلى أيِّ سبيلٍ كانت معرفتُها بهِ ؟ قُلْنَا: إنَّها كانت مأمورةً بطاعتهِ ، فلا بدَّ أن تعرفَ مَن أُمِرَتْ بطاعتهِ ، ولا يمنع أنْ تعرفَ الدوابُّ والبهائمُ هذا الضربَ ، كما تعرفُ كثيرًا من منافعِها ومضارِّها ، والنملةُ فيها من الفَهْمِ فوقَ هذا ، فإنَّا نشاهدُ صُنْعَهَا في إدخالِ رزْقِهَا وحفظهِ وتعهُّدهِ ، حتى إنَّها تكسرُ ما تجمعهُ من الحبوب نصفَين نصفين لئَلاَّ تَنْبُتَ ، إلاَّ اللُّوَيْزَةَ فإنَّها تكسِرُها أربعَ قِطَعٍ ؛ لأنَّها إذا كسرَتْها نِصفَين تنبتُ ، فالذي هَدَاها إلى هذهِ الأمور هو الذي ألْهَمَهَا معرفةَ سُليمانَ عليه السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت