فهرس الكتاب

الصفحة 2321 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي قَوْمٍ مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ ، دَخَلُواْ الْمَدِيْنَةَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَسَاكِنُ وَلا مَالٌ يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَلاَ أهْلٌ يَأْوُونَ إلَيْهِمْ ، وَفِي الْمَدِيْنَةِ بَاغِيَاتٌ سَافِحَاتٌ يَكْرِيْنَ أنْفُسَهُمَّ وَيَضْرِبْنَ الرَّايَاتِ عَلَى أبْوَابهِنَّ يَكْتَسِبْنَ بذلِكَ ، وَكَانَ أُوْلَئِكَ الْمُهَاجِرِيْنَ الْفُقَرَاءَ يَطْلُبُونَ مَعَايشَهُمْ بالنَّهَارِ وَيَأْوُونَ إلَى الْمَسَاجِدِ باللَّيْلِ ، فَقَالُواْ: لَوْ تَزَوَّجْنَا مِنْهُنَّ فَعِشْنَا مَعَهُمْ إلَى يَوْمِ يُغْنِيْنَا اللهُ عَنْهُنَّ ، وَقَصَدُواْ أنْ يَتَزَوَّجُوهُنَّ وَيَنْزِلُواْ مَنَازِلَهُنَّ ، وَيَأْكُلُواْ مِنْ كَسْبِهنَّ ، فَشَاوَرُواْ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فِي ذلِكَ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ ، فَنُهُواْ أنْ يَتَزَوَّجُوهُنَّ عَلَى أنْ يُحِلُّوهُنَّ وَالزِّنَا) .

والمعنى: لا يرغبُ في نكاحِ الزانية إلاّ زَانٍ مثلُها ، ونظيرهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ } [النور: 26] مَيْلُ الخبيثِ وميلُ الطيِّب إلى الطيب ، وقد يقعُ الطيبُ مع الخبيثِ ، لكن الأعمَّ والأغلبَ ما ذكرنا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } ؛ أي حُرِّمَ على المؤمنينَ تزويجُ تلك الباغياتِ المعلِنات بالزِّنا ، وفيه بيانُ أن مَن يتزوجُ بامرأةٍ منهنَّ فهو زَانٍ ، فالتحريمُ كان خاصَّة على أولئكَ دون الناسِ.

ومذهبُ سعيدِ بن المسيَّب: أنَّ التحريمَ كان عامًّا عليهم وعلى غيرِهم ، ثُم نُسِخَ التحريمُ بقولهِ تعالى { وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ } [النور: 32] ، فإن تزوجَ الرجلُ امرأةً وعاينَ منها الفجُورَ لَم يكن ذلك تَحريْمًا بينَهما ولا طَلاقًا ، ولكنه يُؤْمَرُ بطلاقِها تَنَزُّهًا عنها ، ويخافُ عليه الإثمَ في إمساكِها ؛ لأن اللهَ تعالى شَرَطَ على المؤمنين نكاحَ الْمُحصَناتِ من المؤمناتِ.

"ورويَ أنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ إنَّ امْرَأتِي لاَ تَرُدُّ يَدَ لاَمِسٍ! فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم:"طَلِّقْهَا"فَقَالَ: إنِّي أُحِبُّهَا ، وَأخَافُ إنْ طَلَّقْتُهَا أنْ أُصِيْبَها حَرَامًا ، فَقَالَ لَهُ:"أمْسِكْهَا إذًا". إلاّ أنَّ هذا الحديثَ فيه خلافُ الكتاب ؛ لأن اللهَ تعالى أذِنَ في نكاحِ الْمُحصَناتِ ، ثُم أنزلَ اللهُ في القاذفِ لامرأته آيةَ اللِّعانِ ، وسَنَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم التفريقَ بينهما ، ولا يجتمعان أبدًا ، فكيفَ يأمرهُ بالوقفِ على عاهرةٍ لا تَمتنعُ عمَّن أرادَها ، والحديثُ الذي ذُكِرَ لَم يصِحَّ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، ثُم إنْ صَحَّ فتأويلهُ أنَّها امرأةٌ ضعيفةُ الرَّأيِ في تضييعِ مال زوجِها ، فهي لا تَمْنعهُ مِن طالبٍ ولا تحفظهُ من سارقٍ ، وهذا التأويلُ أشبهُ بالنبيِّ صلى الله عليه وسلم وأحرَى لحديثهِ. ويحتملُ أن يكون قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } إشارةً إلى الزِّنا."

وعن عمرٍو بن شُعيبٍ عن أبيه عن جدِّه: (أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَرْثَدَ الْغَنَوِيِّ ، كَانَ قَدْ أمَرَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَكَانَ يَحْمِلُ ضَعَفَةَ الْمُسْلِمِيْنَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِيْنَةِ ، وَمِنَ الْمَدِيْنَةِ إلَى مَكَّةَ ، وَكَانَتْ لَهُ صَدِيْقَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهَا: عِنَاقٌ ، فَلَقِيَتْهُ بمَكَّةَ فَدَعَتْهُ إلَى نَفْسِهَا فَأَبَى وَقَالَ: إنَّ الإسْلاَمَ قَدْ حَالَ دُونَ ذلِكَ ، فَقَالَتْ لَهُ: فَانْكَحْنِي ، فَقَالَ: حَتَّى أُشَاوِرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَسَعَتْ بهِ إلَى الْمُشْرِكِيْنَ ، فَهَرَبَ إلَى الْمَدِيْنَةِ وَأخْبَرَ النِّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَشَاوَرَهُ فِي تَزَوُّجِهَا ، فأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت