قَوْلُهُ تَعَالَى: { الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ } ؛ في هذه الآيةِ زيادةُ بيانٍ عن عجيب صُنعهِ ، ومعنى ذلك الزُّنُودُ التي كانت العربُ يُوَرُّونَ منها النارَ ، كانوا إذا احتَاجُوا إلى النارِ أخَذُوا غُصنًا من شجرِ الْمَرْخِ وغُصنًا من شجرِ العَفَار وهو الأدينُ ، فضَرَبُوا أحدَهما بالآخرِ فخرجت النارُ ، فقيلَ لَهم: إنَّ الذي جمعَ بين الماءِ والنار في الشَّجرِ الأخضرِ قادرٌ على تضادِّهما ، لا يطفئُ الماءُ النارَ ، ولا تحرقُ النارُ الشجرَ ، قادرٌ على أن يبعثَكم ويرُدَّ أرواحَكم إلى أجسادِكم. ويقالُ: ما مِن شجرةٍ إلاَّ وفيها نارٌ غيرَ شجرة العِنَّاب ، ولذلك يختارُها القصَّارون لدقِّ الثياب عليها.
ثُم ذكرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: { أَوَلَـيْسَ الَذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضَ } ، ما هو أعظمُ خَلقًا من الإنسانِ فقال: { بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } ؛ معناهُ: إن الذي قَدِرَ على خلقِ السَّموات والأرضِ في عِظَمِهما وعجائبهما يقدرُ على إعادةِ خلقِ البشرِ ؛ لأن خلقَ السَّموات والأرضِ وما فيهما أبلغُ في القدرةِ من إحياءِ الموتَى ، أفَليسَ القادرُ عليهما قادرٌ على الإعادةِ ؟ { بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ } ، يخلقُ خَلقًا بعد خلقٍ ، { الْعَلِيمُ } ، بجميعِ ما خلقَ.