فهرس الكتاب

الصفحة 533 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ } ؛ معناهُ: ستجدون قَومًا آخرينَ يريدون أن يَأَمَنُوكُمْ ، أي يُظهرون لكم الصُّلْحَ ، يريدونَ أنْ يأْمنُوكم بكلمةِ التَّوحِيدِ ، يُظهرونَها لكم ، { وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ } ؛ أي ويأمَنُوا من قومِهم بالكفرِ في السرِّ ، { كُلَّ مَا رُدُّواْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا } ؛ كلَّما دُعُوا إلى الكُفْرِ رَجَعُوا فيهِ.

قال ابنُ عبَّاس: (هُمْ أسَدُ وَغَطَفَانُ ؛ كَانَوا حَاضِري الْمَدِيْنَةِ ، وَكَانَا يَتَكَلَّمَانِ بالإسْلاَمِ وَهُمَا غَيْرُ مُسْلِمَيْنِ ، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ قَوْمُهُ: بمَاذا آمَنْتَ ؟ وَلِمَاذا أسْلَمْتَ ؟ فَيَقُولُ: آمَنْتُ برَب العُودِ ، وَبرَبِّ الْعَقْرَبِ وَبربِّ الْخَنْفُسَاءِ. يُرِيْدُونَ بهِ الاسْتِهْزَاءَ ، فَإذا لَقُواْ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم وَأصْحَابَهُ قَالُواْ: إنَّا عَلَى دِيْنِكُمْ ؛ وَأظْهَرُواْ الإسْلاَمَ ، فَأَطْلَعَ اللهُ نَبيَّهُ صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنِيْنَ عَلَى ذلِكَ بهَذِهِ الآيَةِ) .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّواْ أَيْدِيَهُمْ } ؛ أيْ فانْ لَمْ يتركوا قتالكم ولَمْ يَستَدِيموا لكم في الصُّلْحِ ، ولَمْ يَمنعوا أيديَهم عن قتالِكم ، { فَخُذُوهُمْ } ؛ أي إسِرُوهُمْ ، { وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ } ؛ أي حيث وَجَدْتُمُوهُمْ ، { وَأُوْلَـائِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا } ؛ أي أهل هذه الصفة جعلنا لكم عليهم حجة ظاهرة بالقتال معهم ، قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا } [النساء: 92] أي ما كانَ لِمؤمنٍ في حُكْمِ اللهِ أن يَقْتُلَ مؤمنًا بغيرِ حقٍّ إلاَّ أن يكونَ وُقُوعُ القتلِ منه على وجهِ الخطأ ، وهو ألاَّ يكونَ قاصدًا قَتْلَهُ فيكونُ مرفوعَ الإثْمِ والعقاب.

واختلفَ المفسِّرون فيمَنْ نزلت هذه الآيةُ ؛ قال ابنُ مسعودٍ: (فِي عَيَّاشِ بْنِ رَبيْعَةَ الْمَخْزُومِيِّ ؛ أتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُهَاجِرَ إلَى الْمَدِيْنَةِ فَأَسلَمَ مَعَهُ ، فَخَافَ أنْ يَعْلَمَ أهْلُهُ بإسْلاَمِهِ ، فَخَرَجَ هَاربًا إلَى الْمَدِيْنَةِ ؛ فَاخْتَفَى فِي جَبَلٍ مِنْ جِبَالِهَا ؛ فَجَزِعَتْ أمُّهُ جَزَعًا شَدِيْدًا حِيْنَ بَلَغَهَا إسْلاَمُهُ وَخُرُوجُهُ إلَى الْمَدِيْنَةِ ؛ فَقَالَتْ لأَبيْهَا الْحُرَيْثِ وَأبي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ - وَهُمَا أخَوَاهُ لأُمِّهِ -: وَاللهِ لاَ يُظِلُّنِي سَقْفٌ وَلاَ أذُوقُ طَعَامًا وَلاَ شَرَابًا حَتَّى تَأْتُونِي بهِ ، فَخَرَجَا فِي طَلَبهِ ، وَخَرَجَ مَعَهُمَا الْحَرْثُ بْنُ زَيْدٍ حَتَّى أتَيَا الْمَدِيْنَةَ ، فَوَجَدَا عَيَّاشًا فِي أطَمٍ - أيْ جَبَلٍ - فَقَالاَ لَهُ: إنْزِلْ ؛ فَإنَّ أمَّكَ لَمْ يَأْوهَا سَقْفُ بَيْتٍ بَعْدَكَ ، وَقَدْ حَلَفَتْ لاَ تَأْكُلُ طَعَامًا وَلاَ تَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى تَرْجِعَ إلَيْهَا ، وَلَكَ عَلَيْنَا ألاَّ نُكْرِهَكَ عَلَى شَيْءٍ ؛ وَلاَ نَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ دِيْنِكَ ، فَحَلَفُواْ لَهُ عَلَى ذلِكَ فَنَزَلَ إلَيْهِمْ ، فَأَوْثَقُوهُ بنِسْعَةٍ ثُمَّ جَلَدَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ.

ثُمَّ قَدِمُواْ بهِ عَلَى أمِّهِ ، فَلَمَّا أتَاهَا قَالَتْ لَهُ: وَاللهِ لاَ أحِلُّكَ مِنْ وثَاقِكَ حَتَّى تَكْفُرَ بالَّذِي آمَنْتَ بهِ ، ثُمَّ تَرَكُوهُ مَطْرُوحًا مَوْثُوقًا فِي الشَّمْسِ مَا شَاءَ اللهُ ، ثُمَّ أعْطَاهُمُ الَّذِي أرَادُوا ، فَأَتَاهُ الْحُرَيْثُ بْنُ زَيْدٍ ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَيَّاشُ ؛ هَذا الَّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ ، فَوَاللهِ لَئِنْ كَانَ الْهُدَى لَقَدْ تَرَكْتَ الْهُدَى ، وَلَئِنْ كَانَ ضَلاَلَةً لَقَدْ كُنْتَ عَلَيْهَا ، فَغَضِبَ عَيَّاشُ مِنْ مَقَالَتِهِ ، قَالَ: واللهِ لاَ ألْقَاكَ خَالِيًا إلاَّ قَتَلْتُكَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت