فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 4495

قولهُ عَزَّ وَجَلَّ: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنْثَى } ؛ نزلت هذه الآية في الأوسِ والخزرجِ وكان بينهما قتلى وجراحات في الجاهلية ، وكان لأحدهما طَوْلٌ على الآخر في الكثرةِ والشرفِ ، فأقسَمُوا ليقتلنَّ بالعبدِ منا الحرَّ منهم ؛ وبالمرأةِ منا الرجلَ منهم ؛ وبالرجلِ منا الرجلين منهم ، وجعلوا جراحاتِهم ضِعْفَي جراحات أولئك ، فلم يأخذها بعضهم من بعضٍ حتى جاءَ الإسلامُ ، فرفعوا أمرَهم إلى رسول الله صلى الله عيله وسلم فأنزلَ اللهُ تعالى هذه الآية وأمَرَهم بالمساواةِ ؛ فَرَضُوا وسلَّمُوا.

قولَهُ تَعَالَى: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } ؛ قيل: إنّ (مَنْ) اسمُ القاتلِ مَنْ تُرِكَ له القَوْدُ وصحَّ عنه من القصاص في قتل العمد ؛ فَرُضِيَ منه بالدِّية ، وقوله: { مِنْ أَخِيهِ } أي من أخ المقتول منه ؛ فيسع العافي بالمعروف ؛ أي بترفق في طلي الديةِ من القاتلِ ولا يعسر ؛ وليؤدِّ القاتل إليه بإحسان ؛ أي لا يبخس ولا يُماطل ، هذا قول أكثر المفسرين. قالوا: العفوُ: أن يقبلَ الدية في قتل العمدِ ، وقيل في تأويله: إن العفوَ في اللغة ما سَهْلٌ وتيسرٌ ، قال الله تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ } [الأعراف: 199] ؛ أي ما سَهُلَ من الأخلاقِ ، فعلى هذا يكون قَوْلُهُ تَعَالَى: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ) أي ولِيّ القتيل إذا بدل له من بدل أخيه شيء من المال من جانب القاتل ؛ فَـ لَهُ { فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } ؛ أي فَلْيَقْبَلْهُ ، { وَأَدَآءٌ } ؛ أي ليؤَدِّ ، { إِلَيْهِ } ، القاتلُ { بِإِحْسَانٍ } .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } ؛ أي أن الصلح عن القصاص على شيء من الديةِ أو غير ذلك تسهيلٌ من ربكم عليكم ، رحمةٌ رحمكم الله بها ؛ وذلك أن اللهَ كتبَ على أهل التوراة في النفس والجراحِ أن يُقِيدُوا ولا يأخذوا الديةَ ولا يعفوا ، على أهل الإنجيل أن يعفُوا ولا يقيدوا ولا يأخذوا الديةَ ، فخيَّر الله هذه الأمةَ بين القصاص والدية والعفو.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ؛ أي إذا قتلَ الوليُّ قاتلَ وليهِ بعد أخذ الديةِ منه فله عذابٌ أليم: القتلُ في الدنيا والنار في الآخرة ، ومن قتلَ بعد أخذ الدية يُقتلُ ولا يعفى عنه ، قال صلى الله عليه وسلم:"لاَ أُعَافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ".

وفي هذه الآية دليلٌ على أن القاتل لا يصيرُ كافرًا ولا يخلد في النار ؛ لأن الله تعالى خاطبهم فقال: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ } وقال في آخر الآية: { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } فسمَّى القاتل أخًا للمقتول ، وقال تعالى: { ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } وهما يلحقان المؤمنين دون الكفار. ويروى أن مسروقًا: (سُئِلَ هَلْ لِلْقَاتِلِ تَوْبَةٌ ؟ فَقَالَ: لاَ أُغْلِقُ بَابًا فَتَحَهُ اللهُ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت