فهرس الكتاب

الصفحة 190 من 4495

قولهُ عَزَّ وَجَلَّ: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ } ؛ قال ابنُ عباس: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي صُهَيْب بْنِِ سِنَانٍ وَعَمَّار بْنِ يَاسِرٍ وَأُمِّهِ سُمَيَّةَ وَأبيهِ يَاسِرٍ وَبلاَلٍ وَخَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ وَغَيْرِهِمْ ، أخَذَهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِي طَرِيْقٍ مَكَّةَ ؛ فَعَذَّبُوهُمْ ، فَأَمَّا صُهَيْبُ فَقَالَ لَهُمْ: أنَا شَيْخٌ كَبِيْرٌ لاَ يَضُرُّكُمْ أمِنْكُمْ كُنْتُ أمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ ، أُعْطِيْكُمْ جَمِيْعَ مَالِي وَمَتَاعِي وَذَرُونِي وَدِيْنِي نَشْتَرِيْهِ مِنْكُمْ بمَالِي ، فَفَعَلُواْ ؛ فَأَعْطَاهُمْ مَالَهُ وَتَوَجَّهَ إلَى الْمَدِيْنَةِ. فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِيْنَةَ لَقِيَهُ أبُو بَكْرٍ فَقَالَ: رَبحَ الْبَيْعُ يَا صُهَيْبُ ، قَالَ: وَبَيْعُكَ لاَ يَخْسَرُ ، وَمَا ذَاكَ يَا أبَا بَكْرٍ! فَأَخْبَرَهُ بمَا نَزَلَ فِيْهِ ؛ وَهُوَ قَوْلُهُ: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ } .

وَأمَّا سُمَيَّةُ وَيَاسِرٌ فقُتِلاَ ، وَكَانَا أوَّلَ قَتِيْلَيْنِ قُتِلاَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُمَا بمَكَّةَ:"اصْبرُواْ يَا آلَ يَاسِرٍ ، فَإنَّ مَوْعِدَكُمُ الْجَنَّةَ"وَأمَّا الآخَرُونَ ؛ فَإنَّهُمْ أعْطُواْ عَلَى الْعَذَاب بَعْضَ مَا أرَادَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ كَلِمَةِ الْكُفْرِ وَسَب الإسْلاَمِ ؛ وَكَانَتْ قُلُوبُهُمْ مُطْمَئِنَّةً بالإيْمَانِ ، فَتُرِكُواْ وَقَدِمُواْ الْمَدِيْنَةَ ، وَفِيْهِمْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ } [النحل: 106] .

ومعنى قوله: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ } على هذا التأويلِ الذي ذكرناهُ: ومِن الناس من يشرِي نفسَهُ ودينَهُ بمالهِ. وعن عمرَ وعليٍّ رضي الله عنهما: أنَّهما قالاَ في هذه الآيةِ: (هَوَ الرَّجُلُ يَأْمُرُ بالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيُقْتَلُ عَلَيْهِ) فعلى هذا معنى قولهِ تعالى: { يَشْرِي نَفْسَهُ } أي يبيعُ نفسَهُ يبذُلُها في الجهادِ في سبيل الله. وهذا من أسماءِ الأضدادِ ، قال الشاعرُ في شريتُ بمعنى بعتُ: وَشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِنْ بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هَامَهْأي هلكتُ. وقَوْلُهُ تَعَالَى: { ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ } نُصب على أنه مفعولٌ لهُ ؛ كأنَّه قال: لابتغاءِ مرضاةِ الله. وقَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ } ؛ أي رحيمٌ بهم يُرَغِّبُهُمْ في الخيرِ ، ويُثِيْبُهُمْ عليهِ رأفةً بهم. ويقالُ إنَّهُ لرأفتهِ ورحمتهِ أمرَهم ببيعِ أنفسهم لكي ينالوا من كريمِ ثوابهِ ما هو خيرٌ لهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت