فهرس الكتاب

الصفحة 1354 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ } ؛ معناهُ: قال لَهم: لا ينفعُكم دُعائِي ، وتحذيرِي إيَّاكم إنْ أردتُ أنْ أحذِّرَكم من عذاب الله إنْ كان اللهُ يريدُ أن يُضِلَّكم عن الْهُدَى مجازاةً بعملِكم ، فإن إرادةَ اللهِ فوق إرادَتِي ، ويكونُ ما يريدُ لا ما أريدُ.

فإن قِيْلَ: كيف يجوزُ أن تكون إرادةُ إبليس موافقةً لإرادةِ الله ، وأرادةُ نوحٍ مخالفةً لإرادة الله ؟ فالجواب: إنَّ اللهَ تعالى شاءَ لأُؤلئك القومِ الكفرَ ، وشاءَ لنوحٍ أن يسألَهم الإيمانَ ، وشاءَ لإبليس أن يسألَهم الكفرَ ، فالكلُّ بمشيئةِ الله تعالى. ويقالُ: معنى قولهِ: { إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } إن كان اللهُ يريد أن يُهلِكَكم ، وينحِّيَكم من رحمتهِ بكُفرِكم ، كما قال: { فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيًّا } [مريم: 59] أي هَلاكًا وعذابًا ، والغَيُّ قد يكون بمعنى الْخَيْبَةِ ، كما قال الشاعرُ: فَمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أمْرَهُ وَمَنْ يَغْوَ لاَ يَعْدَمْ عَلَى الْغَيِّ لاَئِمَاأي ومَن يَخِبْ ، يقالُ: غوَى الرجلُ يَغْوِي غَيًّا ؛ إذا فسدَ عليه أمرهُ ، أو فسدَ هو في نفسهِ ، ومنه { وَعَصَى ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَى } [طه: 121] أي فَسَدَ عليه عيشهُ في الجنَّة ، وهذا يُؤَوَّلُ أيضًا إلى معنى الْخَيْبَةِ فيها فسادُ العيشِ.

وذكرَ الحسنُ في معنى الآية: (لاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي الْيَوْمَ إذا نَزَلَ بكُمُ الْعَذابُ ، فَاسْتَدْركُوا أمْرَكُمْ قَبْلَ نُزُولِ الْعَذاب لِتَنْتَفِعُوا بنُصحِي) . قَوْلُهُ تَعَالَى: { هُوَ رَبُّكُمْ } أي مَالِكُكُم يقدرُ على إنزال العذاب بكم ، { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } ؛ أي إليه مصيرُكم بعد الموتِ فيجزِيَكُم بأعمالكم.

وهذه الآيةُ مما يحتجُّ بها أنَّ الشرطَ إذا اعترضَ على الشرطِ مِن غير أن يتخلَّلهُما الجوابُ ، كان الشرطُ الثاني مُقدَّمًا على الأوَّلِ في المعنى ، حتى لو قالَ قائلٌ: إنْ دخلتَ الدارَ ، إنْ كلَّمْتَ زيدًا فعبدِي حرٌّ ، لا يحنَثُ حتى يكلِّمَ ثم يدخلَ. فيكون تقديرُ الآية: ولا ينفعُكم نُصحِي إنْ كان اللهُ يريد أن يُغوِيَكُمْ إن أردتُ أن أنصَحَ لكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت