فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ؛ كَانُواْ يشْرَبُونَ الْخَمْرَ قَبْلَ التَّحْرِيْمِ ، ثُمَّ يَأَتُونَ الصَّلاَةَ مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَيُصَلُّّونَ مَعَهُ ؛ فَنَهَاهُمُ اللهُ تَعَالَى عَنْ ذلِكَ) .

وتأويلُ الآية على هذا: لاَ تَقرَبُوا مواضِعَ الصلاةِ وهو المسجدُ وَأنْتُمْ سُكَارَى ، حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وما يقرأ إمَامُكم في الصلاةِ. وسُكَارَى: جمعُ سَكْرَانٍ ، وهذا خطابٌ لمن لم يَبْلُغْ به السُّكْرُ إلى حدٍّ لا يفهمُ الكلامَ كلَّهُ ، لأنَّ الذي لا يفهمُ شيئًا لا يصحُّ أن يخاطَبَ ، فكانوا بعد نزولِ هذه الآية يَجْتَنِبُونَ السُّكر أوقاتَ الصلاةِ حتى نزلَ تحريمُ الخمرِ في سورة المائدةِ.

وقال مقاتلُ: (نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ ؛ كَانُواْ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ فِي دَار عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَبْلَ التَّحْرِيْمِ ؛ فَحَضَرَتْ صَلاَةُ الْمَغْرِب ؛ فَقَدَّمُوا رَجُلًا فَقَرأ { قُلْ ياأَيُّهَا الْكَافِرُونَ } [الكافرون: 1] وَقَالَ: أعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ؛ وَحَذفَ(لاَ) فِي جَمِيْعِ السُّورَةِ ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ).

فمعناها على هذا: لاَ تَقْرَبُوا نَفْسَ الصلاةِ ، وأنتمُ سُكَارى حتَّى تعلموا ما تَقْرَأونَ. وعن عمرَ رضي الله عنه أنهُ قال بَعْدَ نزولِ هذه لآية: (اللَّهُمَّ إنَّ الْخَمْرَ يَضُرُّ بالْعُقُولِ وَالأَمْوَالِ ؛ فَأنْزِلَ فِيْهَا أمْرَكَ) فَصَبَّحَهُمُ الْوَحْيُ بآيَةِ الْمَائِدَةِ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ جُنُبًا } أي لا تَقْرَبُوا مواضعَ الصلاةِ وأنتم جُنُبًا ، { إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ } ؛ إلاّ أن تكونُوا مُجْتَازيْنَ ، وإذا لم يكن الماءُ إلاَّ في المسجدِ ، تَيَمَّمَ الْجُنُبُ ودخلَ المسجدَ وأخذ الماء ثم خرجَ واغتسلَ. وقال الشافعيُّ: (يَجُوزُ لِلْجُنُب الْعُبُورُ فِي الْمَسْجِدِ بغَيْرِ تَيَمُّمٍ ، وَلاَ تَجُوزُ لَهُ الإقَامَةُ فِيهِ) . وَقِيْلَ: معنى الآيةِ: لا تُصَلُّوا وأنتم جُنُبٌ إلا أن تكونوا مسافرينَ لا تجدون الماءَ فتيمَّمون وتصلُّون ، هكذا رويَ عن عَلِيٍّ كَرَّمَ اللهُ وَجْهَهُ ومجاهدُ والحاكم. وانتصبَ قوله (جُنُبًا) على الحالِ ؛ أي لا تَقْرَبُوا الصلاةَ وأنتم جُنُبٌ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ } ؛ أي إذا كنتم مَرْضَى فَخِفْتُمْ الضررَ باستعمالِ الماء أو كنتم مسافرينَ ، { أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الْغَآئِطِ } ؛ معناهُ: وجاءَ أحدُكم من الغائطِ: هو المكانُ المطمئِنُّ من الأرضِ ؛ يقال: تَغَوَّطَ الرجلُ إذا دَخَلَ المكانَ المطمئنَّ لقضاءِ الحاجةِ ، ويجعلُ هذا اللفظ كنايةً عن ذلكَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَآءَ } ؛ قال عَلِيٌّ وابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: (مَعْنَاهُ: أوْ جَامَعْتُمْ النِّسَاءَ) وبه قال الحسنُ ومجاهد وقتادةُ. وقال ابنُ مسعودٍ وابن عمرَ والنخعيُّ والشعبيُّ: (أرَادَ بهِ اللَّمْسَ بالْيَدِ ، وَكَانُوا لاَ يُبيْحُونَ لِلْجُنُب التَّيَمُّمَ) .

واختلفَ العلماء في هذا ، فقال الشافعيُّ: (إذا مَسَّ الرَّجُلُ بَدَنَ الْمَرأَةِ نُقِضَ وَضُوءُهُ سَوَاءٌ كَانَ بالْيَدِ أمْ بغَيْرِهَا مِنَ الأعْضَاءِ) . وقال الأوزاعيُّ: (إنْ مَسَّهَا بالْيَدِ نُقِضَ ؛ وَإنْ كَانَ بغَيْرِ الْيَدِ لَمْ تُنْقَضْ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت