قوله عََزَّ وَجَلَّ: { قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ } ، قال ابنُ عبَّاس:"إنَّ حَبْرًا مِنَ الأَحْبَار عَالِمًا مِنْ عُلَمَاءِ الْيَهُودِ ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ صُوريَا ، قَالَ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ نَوْمُكَ ؟ فَإِنَّا نَعْرِفُ نَوْمَ النَّبِيِّ الَّذِي يُجْتَبَى فِي آخِرِ الزَّمَانِ ، قَالَ: [تَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبي يَقْظَانُ] قَالَ: صَدَقْتَ. فَأَخْبرْنَا عَنِ الْوَلَدِ أمِنَ الرَّجُلِ أمْ مِنَ الْمَرْأةِ ؟ قَالَ: [أمَّا الْعَظْمُ وَالْعَصَبُ وَالْعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُلِ ؛ وَأمَّا اللَّحْمُ وَالدَّمُ وَالظُّفْرُ وَالشَّعْرُ فَمِنَ الْمَرْأةِ] . قَالَ: صَدَقْتَ. فَمَا بَالُ الْوَلَدِ يُشْبهُ أعْمَامَهُ لَيْسَ فِيْهِ شَبَةٌ مِنْ أخْوَالِهِ ، وَيُشْبهُ أخْوَالَهُ لَيْسَ فِيْهِ شَبَهٌ مِنْ أعْمَامِهِ ؟ فَقَالَ: [أيُّهُمَا عَلاَ مَاؤُهُ عَلَى مَاءِ صَاحِبهِ كَانَ الشَّبَهُ لَهُ] قَالَ: صَدَقْتَ. بَقِيَتْ خِصْلَةٌ إنْ قُلْتَهَا آمَنْتُ بكَ وَاتَّبَعْتُكَ! أيُّ مَلَكٍ يَأْتِيْكَ بالْوَحْيِ ؟ قَالَ: [جِبْرِيْلُ] قَالَ: ذَاكَ عَدُوُّنَا. يَنْزِلُ بالْقِتَالِ وَالشِّدَّةِ وَرَسُولُنَا مِيْكَائِيْلُ يَنْزِلُ بالسُّرُور وَالرَّخَاءِ ، فَلَوْ كَانَ مِيْكَائِيْلُ هُوَ الَّذِي يَأْتِيْكَ آمِنَّا بكَ وَصَدَّقْنَاكَ. فَقَالَ: عُمَرُ رضي الله عنه: إشْهَدُواْ أنَّ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيْلَ فَإنَّهُ عَدُوٌّ لِمِيْكَائِيْلَ. فَقَالَ: لاَ نَقُولَنَّ هَذَ"ا. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ.
وقال مقاتلُ: إنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ: إنَّ جِبْرِيْلَ عَدُوُّنَا أُمِرَ أنْ يَجْعَلَ النُّبُوَّةَ فِيْنَا فَجَعَلَهَا فِي غَيْرِنَا. وقالَ قتادةُ وعكرمةُ والسديُّ: كَانَ لِعُمَرَ رضي الله عنه أرْضٌ بأَعْلَى الْمَدِيْنَةِ ؛ مَمَرُّهَا عَلَى مَدَارسِ الْيَهُودِ ، وَكَانَ عُمَرُ إذَا أتَى أرْضَهُ يَأْتِيْهِمْ وَيَسْمَعُ مِنْهُمْ وَيُكَلِّمُهُمْ ، فَقَالُواْ: يَا عُمَرُ مَا فِي أصْحَاب مُحَمَّدٍ أحَبُّ إلَيْنَا مِنْكَ ؛ إنَّهُمْ يَمُرُّونَ بنَا فَيُؤْذُونَنَا وَأنْتَ لاَ تُؤْذِيْنَا وَإنَّا لَنَطْمَعُ فِيْكَ! فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: (مَا أحْبَبْتُكُمْ كَحُبكُمْ إيَّايَ وَلاَ أسْأَلُكُمْ إنِّي شَاكٌّ فِي دِيْنِي ، وَإنَّمَا أدْخُلُ إلَيْكُمْ لأَزْدَادَ بَصِيْرَةً فِي أمْرِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَأرَى آثَارَهُ فِي كِتَابكُمْ) . فَقَالُواْ: مَنْ صَاحِبُ مُحَمَّدٍ الَّذِي يَأْتِيْهِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ ؟ قَالَ: (جِبْرِيْلُ) قَالُواْ: ذاكَ عَدُوُّنَا يُطْلِعُ مُحَمَّدًا عَلَى سِرِّنَا وَهُوَ صَاحِبُ كُلِّ عَذَابٍ وَخَسْفٍ وَشِدَّةٍ ؛ وَإنَّ مِيْكَائِيْلَ إذا جَاءَ ؛ جَاءَ بالْخَصْب وَالسَّلاَمَةِ. فَقَالَ عُمَرُ: (تَعْرِفُونَ جِبْرِيْلَ وَتُنْكِرُونَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم!) قَالُواْ: نَعَمْ ، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: (أنَا أشْهَدُ أنَّ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيْلَ فَهُوَ عَدُوٌّ لِمِيْكَائِيْلَ ؛ وَمَنْ كَانَ عَدُوًّا لَهُمَا فَاللهُ عَدُوٌّ لَهُ) . ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَوَجَدَ جِبْرِيْلَ قَدْ سَبَقَهُ بالْوَحْيِ ؛ فَقَرَأ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَذِهِ الآيَاتِ. وَقَالَ: [لَقَدْ وَافَقَكَ رَبُّكَ يَا عُمَرُ] . فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: (لَقَدْ رَأيْتُنِي فِي دِيْنِ اللهِ بَعْدَ ذَلِكَ أصْلَبَ مِنَ الْحَجَرِ) .
قَال اللهُ تعالى تَصديقًا لعمر: { قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ } أي قُل لَهم يا مُحَمَّدُ: مَن كان عدُوًّا لجبريلَ.