فهرس الكتاب

الصفحة 538 من 4495

قوله عزّ وَجَلَّ: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } ؛ قال ابنُ عبَّاس: (نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مِنْ أهْلِ مَكَّةَ تَكَلَّمُواْ بالإسْلاَمِ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ - أيْ أظْهَرُوا الإسْلاَمَ وَأسَرُّواْ النِّفَاقَ - فَلَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ خَرَجُواْ مَعَ الْمُشْرِكِيْنَ إلَى الْمُسْلِمِيْنَ ، فَلَمَّا رَأوْا قِلَّةَ الْمُسْلِمِيْنَ قَالُواْ وَهُمْ مَعَ الْمُشْرِكِيْنَ: غَرَّ هَؤُلاَءِ دِيْنُهُمْ ، فَقُتِلُواْ يَوْمَئِذٍ فَضَرَبَتِ الْمَلاَئِكَةُ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ) ، وَقَالَتْ لَهُمْ: لِمَاذَا خَرَجْتُمْ مَعَ الْمُشْرِكِيْنَ وَتَرَكْتُمُ الْهِجْرَةَ؟! فَكَانَ سُؤَالُ الْمَلاَئِكَةِ لَهُمْ بهَذا عَلَى سَبيْلِ التَّقْرِيْعِ.

ويجوزُ أن يكونَ معناهُ: فِيمَ كُنْتُمْ في المشركينَ أمْ فِي المسلمينَ ؟ { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ } ؛ أي مَقْهُورُونَ في أرضِ مكَّة ، فأخرَجُونا معهم كَارهينَ ، قالتِ الملائكةُ: { قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً } ؛ يعني أرضَ المدينةِ واسعة أمِيْنَةً ، { فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا } ؛ أي إليها ، وتخرجُوا من بين أظْهُرِ المشركينَ.

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ } نُصِبَ على الحالِ بمعنى تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ في حال ظُلْمِهِمْ لأنْفسِهم بالشِّركِ والنِّفَاقِ ، والأصلُ (ظَالِمِيْنَ) إلاَّ أن النونَ حُذِفَتْ استخفافًا وهي ثانيةٌ في المعنى ، فيكونُ هذا في معنى النكرةِ وإنْ أضيفََ إلى المعرفةِ ، كما في قولهِ تعالى: { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } [المائدة: 95] . وقَوْلُهُ تَعَالَى: { تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ } أي تَقْبضُ أرواحَهم عند الموتِ ، وإنَّما حُذفت التاءُ الثانية لاجتماع التَّاءين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَأُوْلَـائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } ؛ أي أهلَ هذه الصِّفة مصيرُهم ومنْزِلتهم جهنمُ ؛ { وَسَآءَتْ مَصِيرًا } ؛ لِمن صارَ إليها ، واختلفوا في خَبَرِ: { إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ } ؛ قال بعضُهم: خبرهُ: { قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ } ، أي قالوا لهم: فيما كنتم ، قال بعضُهم خبرهُ: { فَأُوْلَـائِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } . وفي قولهِ تعالى: { أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا } دليلٌ أنهُ لا عذرَ لأحدٍ في المقام على المعصيةِ في بَلَدِهِ لأجلِ الْمَالِ والوَلَدِ والأهلِ ، بل ينبغي أن يُفارقَ وَطَنَهُ إن لم يُمكنه إظْهَارُ الْحَقِّ فيهِ ، ولِهذا رويَ عن سعيدِ بن جُبير أنه قالَ: (إذا عُمِلَ بالْمَعَاصِي فِي أرْضٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا) ، ورويَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ:"مَنْ فَرَّ بدِيْنِهِ مِنْ أرْضٍ إلَى أرْضٍ ، وَإنْ كَانَ شِبْرًا اسْتَوْجَبَ بهِ الْجَنَّةَ ، وَكانَ رَفِيْقَ ابْرَاهِيْمَ وَمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت