فهرس الكتاب

الصفحة 2175 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ياأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ } ؛ معناهُ: يا أهلَ مكة إن كُنتم في شَكٍّ مِنَ البعثِ بعد الموتِ ، فتفكَّرُوا في ابتداءِ خَلْقِكُمْ فإنَّ إعادَتَكم ليست بأشدَّ مِن أوَّل خلقِكم ، ثم بيَّن ابتداء خلقِهم فقالَ: { فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ } أي خلَقنا أباكُم آدمَ ، ثُم صوَّرناهُ لَحمًا ودَمًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } ؛ أي ثُم جعلناكم بعد ذلكَ من النُّطفة التي تكون من الذكر والأنثى ، { ثُمَّ } خلَقنا { مِنْ } تلكَ النطفةِ ؛ { عَلَقَةٍ } ؛ وهي قطعةٌ من الدمِ { ثُمَّ } ؛ جعلنا العلقةَ { مِن مُّضْغَةٍ } ؛ وهي القطعةَ من اللَّحم ، تسمَّى مُضْغَةً ؛ لأنَّها مقدارُ ما يُمضَغُ من اللَّحم.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ } ؛ أي تامَّة الخلقِ وغيرِ تامة الخلقِ ، وَقِيْلَ: مصوَّرةٍ وغيرِ مصوَّرةٍ ، وهي السَّقْطُ. قال عبدُالله بنُ مسعود:"إذا وَقَعَتِ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ ؛ بَعَثَ اللهُ مَلَكًا يَأْخُذُهَا بكَفِّهِ فَيَقُولُ: يَا رَب مُخَلَّقَةٌ أوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ ؟ فَإنْ قَالَ: غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ ؛ مَجَّتْهَا الأَرْحَامُ دَمًا ، وَإنْ قَالَ: مُخَلَّقَةٌ ، قَالَ: يَا رَب أذكَرٌ أمْ أُنْثَى ؟ وَمَا رِزْقُهَا وَمَا أجَلُهَا ؟ وَشَقِيٌّ أمْ سَعِيْدٌ ؟ وَبأَيِّ أرْضٍ تَمُوتُ ؟"

فَيُقَالُ لَهُ: اذْهَبْ إلَى أُمِّ الْكِتَاب فَإنَّكَ تَجِدُ ذلِكَ ، فَاسْتَنْسِخْ مِنْهُ صِفَةَ هَذِهِ النُّطْفَةِ ، فَيَنْطَلِقُ فَيَسْتَنْسِخُهَا. فَتُخْلَقُ فَتَعِيْشُ فِي أجَلِهَا ، وَتَأْكُلُ رزْقَهَا ، حَتَّى إذا جَاءَ أجَلُهَا مَاتَتْ ، فَتَذْهَبُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي كُتِبَ لَهَا""

قَوْلُهُ تَعَالَى: { لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ } ؛ أي لِنُبَيِّنَ لكم كمالَ قُدرَتِنا وحُكمِنا في تصريفِنا في الخلقِ.

وقولهُ تعالى: { وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى } ؛ أي ونَتْرُكُ في الأرحامِ ما نشاءُ من الولدِ إلى وقتِ التَّمامِ ولا نُسْقِطْهُ. ورُوي عن عاصمٍ: (وَنُقِرَّ) بالنصب على العطف ، وقراءةُ الباقينَ بالرفع على معنى: ونَحْنُ نُقِرُّ. قولهُ تعالى: { ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا } ؛ أي ثُم نُخرِجُكم من أُمَّهات شتَّى ، كأنهُ قال: ثُم نَخرجُكم من الأرحامِ طِفْلًا صِغَارًا ، وإنَّما لَم يقل أطفَالًا لأنه لَم يُخْرِجْهُمْ من أُمٍّ واحدة ، ولكن يُخرجهم من أُمَّهات شتَّى ، كأنهُ قال: ثُم نخرجُ كلَّ واحدٍ منكم طفلًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ } ؛ أي ثُم لِنُعَمِّرَكُمْ لتبلغُوا أشُدَّكم بمعنى الكمالِ والقوة ، { وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّى } ؛ قبلَ بلُوغِ الأشُدِّ ، { وَمِنكُمْ مَّن } ؛ يُعَمَّرُ حتى { يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ } ؛ أي هَوَانِهِ وأخَسِّهِ وهو الْهَرَمُ والْخَرَفُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا } ؛ أي لكَيْلاَ يَعْقِلَ مِن بعد عقله الأوَّلِ شيئًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً } ؛ هذه دلالة أخرى تدلهم على إحياءِ الْمَوْتَى بإحياءِ الأرضِ الميتَةِ ، والَهَامِدةُ: هي اليابسةُ الجافَّةُ ، كأنه قال: وتَرَى الأرضَ يابسةً جافَّةً ذاتَ تُرابٍ كالنار إذا اطفئت ورمدت ، { فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ } ؛ أي على الأرضِ ، { اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ } ؛ أي تحرَّكَت بالنباتِ ، وازدادت وأضعَفت النباتَ ، وذلك أن الأرضَ ترتفعُ على النباتِ ، فذلك تحريكُها ، وهو معنى قولهِ { وَرَبَتْ } أي ارتفعَتْ وزَادَتْ وانتفخت للنباتِ ، من رَبَا يَرْبُو إذا ازدَادَ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } ؛ أي وأخرجت أكَمًا من كلِّ لونٍ حَسَنِ البهجةِ ، ومِن كلِّ صنفٍ مؤنق العينِ ، والبهيجُ الحسنُ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: { وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ } [النمل: 60] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت