وقولهُ تعالى: { وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ } ؛ قال ابنُ عبَّاس وابن جُبير والضحَّاكُ: (وذلكَ أنَّ الشيطانَ أتَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في صُورةِ جبريلَ وهو قائمٌ يصلِّي عند الكعبةِ يقرأ سورةَ { وَالنَّجْمِ } [النجم: 1] حتَّى اذا انتهَى إلَى قولهِ تعالى { أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى } [النجم: 19-20] ألقَى الشيطانُ على لسانه(تلكَ الغَرَانِيْقُ العُلى منها الشفاعةُ ترتَجى) ، فلما سمعَ المشركون أعجبَهم ذلك ، فلما انتهى إلى آخرِ السورة سَجَدَ ، وسَجَدَ معه المسلمون والمشركونَ إلاّ الوليدَ بن المغيرة ، فإنه لَم يقدر على السُّجود لكِبَرِهِ ، فقال: ائتونِي بالتُّراب ، فأتوهُ بالتراب فوضعَهُ على كَفِّهِ ، ثم سجد على كفِّه ، فلما نزلَ جبريلُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم ذكَرَ له ذلكَ ، فقال جبريلُ: ما جئتُكَ بهذه ولا أنزلَهُ اللهُ تعالى ، فقالَ: أتانِي شيءٌ في مثلِ صورتِكَ فألقاهُ علَيَّ).
وهذا حَدِيْثٌ أنْكَرَ أهْلُ الْعِلْمِ إجْرَاءَهُ على ظاهرهِ ، وقالوا: كيفَ يجوزُ أن يجعلَ اللهَ للشيطانِ على رسولهِ هذا السلطانَ ، أوَ يختارُ لرسالته مَن لا يُمَيِّزُ بين وحيِ الله ووساوسِ الشَّيطان؟! ومِن المعلوم أن مَن نَسَبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم به إلى ما يرجعُ إلى تعظيمِ الأصنام فقد كَفَرَ ، إلاّ أنه يحتملُ أن يكون الشيطانُ ألقَى في تلاوةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ما لَم يَقُلْهُ ، وخُيِّلَ إلى مَن سَمع تلاوتَهُ مِن الذين كانوا بالبُعْدِ منهُ أنه جرَى على لسانهِ ، وإنَّما هو من لسانِ الشيطان ، وكان ذلك فتنةً للتابعين ، وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم مَعْصُومًا مِن أن يَجْرِيَ على لسانهِ ما لَم يُنْزِّلْهُ اللهُ. وقد يُذْكَرُ التَّمَنِّي ويرادُ به القراءةُ كما قال الشاعر: تَمَنَّى كِتَابَ اللهِ أوَّلَ لَيْلِهٍ وَآخِرَهُ لاَقِي حِمَامَ الْمَقَادِروقال جماعةٌ من المفسِّرين: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حَريصًا على إيْمان قومهِ ، وتَمنَّى في نفسهِ مِن الله أن يأتيه ما يقاربُ بينه وبين قومهِ ، فجلسَ ذات مرَّة بهم في مجلسٍ كثيرٌ أهلهُ ، وأحبَّ يومئذ أن يأتيه من اللهِ شيءٌ فقرأ عليهم سُورة النَّجْمِ ، فلما بَلَغَ { أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى } [النجم: 19-20] ألقَى الشيطانُ على لسانهِ (تلك الغرانيقُ العلى وأن شفاعتهم ترتجى) فلما سَمعت قريشُ ذلك فرِحُوا وقالوا: قد ذكرَ مُحَمَّدٌ آلِهَتنا بأحسنِ الذكر ، ومضَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قراءتهِ ، فلما خَتَمَ السورةَ سَجَدَ في آخرِها وسجدَ معه المسلمون والمشركون إلاّ الوليدَ بن المغيرةِ وسعيدَ بن العاص فإنَّهما أخذا حفنةً من البطحاءِ ورفَعَاها إلى جبهَتِهما وسجدا عليها ؛ لأنَّهما كانا شَيخين كبيرين لَم يستطيعا أن يسجُدَا.