فهرس الكتاب

الصفحة 3492 من 4495

{ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا } ؛"وذلك أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ إلَى مَكَّةَ يُرِيدُ الْعُمْرَةَ ، وَتَجَهَّزَ مَعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنْ أصْحَابهِ وَمَعَهُمُ الْهَدْي يَسُوقُونَهَا مَعَ أنْفُسِهِمْ ، فَبَلَغَ ذلِكَ قُرَيْشًا فَاسْتَعَدُّواْ لِيَصُدُّوهُ وَأصْحَابَهُ ، فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالْحُدَيْبيَةِ ، فَزِعَ الْمُشْرِكُونَ بنُزُولِهِ صلى الله عليه وسلم ، فَبَعَثُوا إلَيْهِ عُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيّ لِيَأْتِيَهُمْ بالْخَبَرِ ، فَلَمَّا أتَاهُمْ عُرْوَةُ أبْصَرَ قَوْمًا عُمَّارًا لَمْ يَأْتُواْ لِلْقِتَالِ ، فَرَجَعَ إلَى قُرَيْشٍ وَأخْبَرَهُمْ بذلِكَ وَهُوَ كَارهٌ لِصَدِّهِمْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْكَعْبَةِ ، فَشَتَمُوهُ وَاتَّهَمُوهُ."

ثُمَّ بَعَثُوا رَجُلَيْنِ آخَرَيْنِ ، فَقَالَ النَّبيُّ:"ابْعَثُوا الْهَدْيَ فِي وُجُوهِهِمَا وَلَبُّوا"فَلَمَّا رَجَعَ الرَّجُلاَنِ إلَيْهِمْ قَالاَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ عُرْوَةُ. فَبَعَثُوا سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو أحَدَ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ ، قَالَ صلى الله عليه وسلم حِينَ أبْصَرَهُ:"هَذا رَجُلٌ فَاجِرٌ ، وَمَا أرَى إلاَّ قَدْ سَهُلَ أمْرُكُمْ". فَلَمَّا أتَاهُمْ سُهَيْلُ تَذاكَرُواْ الْمُهَادَنَةَ وَالْمُوَادَعَةَ.

فَلَمَّا كَانَ فِي وَسَطِ النَّهار ، أمَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالْبَيْعَةِ ، فَنَادَى مُنَادِيهِ فِي الْعَزْمِ:"الآنَ رُوحُ الْقُدُسِ جِبْرِيلُ عليه السلام نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَأَمَرَهُ بالْبَيْعَةِ"فَأَتَوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ جَلَسَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، فَبَايَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وكَادَتْ تِلْكَ الْبَيْعَةُ فِي صُدُور الْمُشْرِكِينَ.

فَلَمَّا أمْسَوا وَهُمْ عَلَى ذلِكَ ، رَمَى رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ باللَّيلِ فِي أصْحَاب رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ بالْحِجَارَةِ فَرَمَواْ أعْدَاءَ اللهِ حَتَّى أدْخَلُوهُمُ الْبُيُوتَ وَهَزَمُوهُمْ بإذْنِ اللهِ. وَأقْبَلَ أشْرَافُهُمْ إلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ هَذا لَمْ يَكُنْ عَنْ رضًى مِنَّا وَلاَ مُمَالأَةً ، وَإنَّمَا فَعَلَهُ سُفَهَاؤُنَا ، وَعَرَضُوا الصُّلْحَ عَلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَبلَهُ ، وَلَمْ يُعْطِهِمُ الْمُشْرِكُونَ الصُّلْحَ حَتَّى قَهَرَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي غَيْرِ قِتَالٍ بالرَّمْيِ بالْحِجَارَةِ.

فَاصْطَلَحَ الْفَرِيقَانِ عَلَى أنْ يَتَوَادَعُوا سِنِينَ ، عَلَى أنْ يَرْجِعَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَأصْحَابُهُ تِلْكَ السَّنَةَ ، فَمَنْ لَحِقَ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَقْبَلْهُ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ ، وَمَنْ لَحِقَ بالْمُشْرِكِينَ مِنْ أصْحَاب النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَهُوَ مِنْهُمْ. عَلَى أنَّ الْمُسْلِمِينَ إذا شَاؤُا اعْتَمَرُوا الْعَامَ الْقَابلَ فِي هَذا الشَّهْرِ الَّذِي صَدَّهُمُ الْمُشْرِكُونَ فِيْهِ ، عَلَى أنْ لاَ يَحْمِلُواْ بأَرْضِهِمْ سِلاَحًا.

فَصَالَحَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذلِكَ ، وَكَتَبُواْ كِتَابَ الْقَضِيَّةَ بَيْنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَهُمْ ، فَوَجَدَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذلِكَ الشَّرْطِ وَجْدًا شديدًا ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ مَنْ لَحِقَ بنَا مِنْهُمْ لَمْ نَقْبَلْهُ ، وَمَنْ لَحِقَ بهِمْ مِنَّا فَهُوَ مِنْهُمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أمَّا مَنْ لَحِقَ بهِمْ مِنَّا فَأَبْعَدَهُمُ اللهُ ، وَأمَّا مَنْ أرَادَنَا مِنْهُمْ فَسَيَجْعَلُ اللهُ لَهُ مَخْرَجًا ، وَإنْ يَعْلَمِ اللهُ مِنْهُ الصِّدْقَ يُنَجِّيهِ مِنْهُمْ".

فَلَمَّا فَرَغُواْ مِنْ كِتَاب الْقَضِيَّةِ ، أقْبَلَ جَنْدَلُ بْنُ سُهَيْلٍ وَهُوَ يَرْشِفُ فِي قُيُودِهِ ، وَكَانَ أبُوهُ قَدْ أوْثَقَهُ حِينَ خَشِيَ أنْ يَذْهَبَ إلَى رَسُولِ اللهِ ، فَجَاءَ حَتَّى وَقَعَ بَيْنَ ظَهْرَانِ المُسْلِمِينَ ؛ وَقَالَ: إنِّي مِنْكُمْ وَإنِّي أعُوذُ باللهِ أنْ تُرْجِعُونِي إلَى الْكُفَّار.

فَأَرَادَ رجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أنْ يَمْنَعُوهُ ، وَنَاشَدَهُمْ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الْعَهْدَ وَالْمِثَاقَ! فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"خَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ ؛ فَسَيُنَجِّيهِ اللهُ مِنْهُمْ". فَانْطَلَقَ بهِ أبُوهُ ، وَكَانَ مَاءُ الْحُدَيْبيَةِ قَدْ قَلَّ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فَأُتِيَ بدَلْوٍ مِنَ الْمَاءِ ، فَتَوَضَّأَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَتَمَضْمَضَ ثُمَّ مَجَّهُ فِي الدَّلْوِ ، ثُمَّ أمَرَهُمْ أنْ يَجْعَلُوهُ فِي الْبئْرِ ، فَامْتَلأَتِ الْبئْرُ مَاءً حَتَّى جَعَلُواْ يَغْرِفُونَ مِنْهُ وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى شَفَةِ الْبئْرِ ، وََكَانَ هَذا شَأْنُ الْحُدَيْبيَةِ.

ولَبثَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَهرًا وَصَيْفًا فوعَدَهم اللهُ خَيرًا أنْ يفتحَها لَهم ، فلَمَّا رجعَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينةِ نزلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا } ، والفتحُ الْمُبينُ: ما كان من استعلاءِ المسلمين عليهم حتى غلَبُوهم بالحجارةِ وأدخَلُوهم بيوتَهم ، وتيسير الصلحِ أيضًا من الفتحِ المبين وظهور النبيِّ صلى الله عليه وسلم على خَيبرَ من الفتحِ.

قال: (وَأنْجَى اللهُ أبَا جَنْدَلَ بْنَ سُهَيْلٍ مِنْ أيْدِيهِمْ ، وَخَرَجَ مِنْهُمْ وَاجْتَمَعَ إلَيْهِ قَرِيبٌ مِنْ سَبْعِينَ رَجُلًا كَرِهُواْ أنْ يَقْعُدُواْ مَعَ الْمُشْرِكِينَ ، وَعَلِمُواْ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لاَ يَقْبَلُهُمْ حَتَّى تَنْقَضِي الْمُدَّةُ ، فَجَعَلُواْ يَقْطَعُونَ الطَّرِيقَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ، فَأَرْسَلَ الْمُشْرِكُونَ إلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يُنَاشِدُونَهُ أنْ يَقْبضَهُمْ إلَيْهِ ، وَقالُواْ: أنْتَ فِي حِلٍّ مِمَّنِ اخْتَارَكَ عَلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ ؛ فَإنَّهُمْ إنْ يَكُونُوا مَعَكَ كَانَ أهْوَنَ عَلَيْنَا ، فَلَحِقُوا بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم) "."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت