قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ } ؛ أي جاءَت قافلةٌ من المسافرين بعد أن مكثَ يوسفُ عليه السلام في الْجُب ثلاثةَ أيَّام. يُروى أنَّهم جاءوا من قِبَلِ مَدْيَنَ يريدون مُعَرِّفًا خطرَ الطريقِ ، فتحيَّرُوا وجعلوا يَهِيمُونَ حتى وَقَعُوا في الأرضِ التي فيها الْجُبُّ ، فأَرسَلَ كلُّ قومٍ منهم وارِدَهم ، والوارِدُ الذي يُقَوِّمُ القومَ لطلبِ الماء ، فوافقَ الْجُبُّ مَالِكَ بْنَ ذعَرٍ وهو رجلٌ من العرب من أهل مَديَنَ ، { فَأَدْلَى دَلْوَهُ } في البئرِ ، فتعلَّقَ بها يوسفُ ، فلم يَقدِرُوا على نَزْعِهِ ، فنَظَرُوا فرأوا غُلامًا قد تعلَّقَ بالدَّلْوِ ، فنادَى أصحابَهُ فَـ { قَالَ يابُشْرَى هَـاذَا غُلاَمٌ } ، قال: مَا ذاكَ يا مالِكُ ؟ قال: غلامٌ أحسنَ ما يكون من الغِلمَانِ. فاجتمَعُوا عليه وأخرَجوهُ.
قال كعبٌ: (كَانَ يُوسُفْ حَسَنَ الْوَجْهِ جَعِدَ الشَّعْرِ ضَخْمَ الْعَيْنِ مُسْتَوِيَ الْبَطْنِ صَغِيرَ السُّرَّةِ ، وَكَانَ إذا تَبَسَّمَ رَأيْتَ النُّورَ فِي ضَوَاحِكِهِ ، َلاَ يَسْتَطِيعُ أحَدٌ وَصْفَهُ ، وَكَانَ حُسْنَهُ كَضَوْءِ النَّارِ وَكَانَ يُشْبهُ آدَمَ يَوْمَ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى قَبْلَ أنْ يُصِيبَ الْمَعْصِيَةَ) . ويقال: إنه وَرِثَ ذلك الجمالَ من جدَّتهِ سارة ، وكانت قد أُعطيت سُدُسَ الْحُسْنِ.
وقولهُ تعالى: { قَالَ يابُشْرَى هَـاذَا غُلاَمٌ } من قرأ (يَا بُشْرِي) أي بياء الإضافة ، فهو خطابٌ للفرَحِ على القلب ، كما قالَ: يا فَرَحِي يا طُوبَايَ ويا أسَفِي. ومن قرأ بغيرِ ياء الإضافة فمعناهُ تبشيرُ الأصحاب ، كما يقالُ: يا عَجَبَا ويرادُ به يا أيُّها القومُ اعجَبُوا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً } ؛ أي أسَرَّ الذين وجَدُوا يوسُفَ من رُفَقَائِهم ومِن القافلة مخافةَ أن يَطلُبَ أحدٌ منهم الشِّركَةَ معهم في يوسف عليه السلام ، قولهُ: { وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً } نُصِبَ على المصدرِ ؛ أي قالوا في ما بينَهم: إنَّا نقولُ إن أهلَ الماءِ استَبضَعُوكَ بضاعةً ، ويجوزُ أن يكون (بضَاعَةً) نَصبًا على الحالِ على معنى أنَّهم كَتَمُوهُ حين أعقَدُوا التجارةَ فيه.
ويقال: إن قولَهُ { وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً } راجعٌ إلى إخوَةِ يوسف ، فإنه رُوي أنَّهم جَاؤُا بعدَ ثلاثةِ أيَّام فلم يجدُوا في البئرِ ، فنظَرُوا فإذا القومُ نُزُولٌ بقُرب البئرِ ، فإذا هم بيوسُفَ ، فقالوا لَهم: هذا عبدٌ آبقٌ منذُ ثلاثةِ أيام ، وقالوا لِيُوسُفَ: لئِنْ أنكرتَ أنَّكَ عبدٌ لنا فَلَنَقتُلَنَّكَ ، وقالوا للقومِ: اشتَرُوا مِنَّا فذلك معنى قولهِ { وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً } بأن طلَبُوا من يوسُفَ كتمانَ نسَبهِ ، إلا أنَّ القولَ الأوَّلَ أقربُ إلى ظاهرِ الآية. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } ؛ أي بيوسُفَ ، وهذا يجرِي مجرَى الوعيدِ.