قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا } ؛ أي إنَّما تأخيرُ الشَّهرِ الحرامِ من المحرَّم إلى صَفَرْ ، واستباحةِ المحرَّم زيادةٌ في الكفرِ يغلطُ ويخطِىءُ بالنَّساء سائرُ الكفَّار ، ومن قرأ (يَضَلُ) صفَر مكان المحرَّم ، ويحرِّمون المحرَّم عامًا فلا يُقاتِلون فيه ، ثم يقاتِلون في صفَرْ ، { لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ } ؛ أي ليُوافِقُوا في العددِ أربعةَ أشهُرٍ ، وكانوا يقولون: هذه أربعةٌ بمنْزِلة أربعةٍ. والْمُوَاطَأَةُ الموافقةُ ، وأصلُ النِّسِيءِ الحاضِرُ ومنه بيعُ النَّسِيئَةِ ، ومنه أنْسَأَ اللهُ في أجلِ فُلان ، ومنه الْمِنْسَأَةُ وهي العصَا يرجُو بها ويؤخِّر.
قرأ قتادةُ ومجاهد وأبو عمرٍو ونافع غير وَرْشٍ وعاصم وحمزة والكسائي وخلف وابن عامر (النَّسِيءُ) بالمدِّ والهمزة وهو مصدرٌ كالسَّعِيرِ والحريقِ ونحوهما ، ويجوزُ أن يكون مفعُولًا مَصرُوفًا أي فعيلٌ مثل الجريحِ والقتيل والصريعِ ، تقديرهُ: إنما الشهرُ المؤخَّر. وقرأ أبو جعفرٍ ووَرْشٌ (إنَّما النَّسِيُّ) بالتشديدِ من غير همزةٍ ، وروَى ذلك ابنُ كثير على معنى الْمَنْسِيِّ أي المتروكِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: { نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ } [التوبة: 67] .
وقوله: { يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ } ، قرأ أهلُ المدينةِ وابنُ كثير وابن عامرٍ وأبو عمرٍو وأبو بكرٍ بفتح الياء وكسر الضَّاد لأنَّهم هم الضالُّون لقوله: { يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا } ، وقرأ الحسنُ وقتادة ومجاهد ويعقوب بضمِّ الياء وكسرِ الضاد ؛ أي يُضِلُّ به الذين كفَرُوا الناسَ المقتدِين بهم ، وقرأ اهلُ الكوفةِ إلاَّ أبا بكر بضمِّ الياء وفتحِ الضادِ ، وهي قراءةُ ابنِ مسعود لقوله: { زُيِّنَ لَهُمْ } ، وقوله تعالى: { يُحِلُّونَهُ عَامًا } أي يُحِلُّونَ النسيءَ.
وقولهُ تعالى: { لِّيُوَاطِئُواْ } ؛ أي ليُوافِقُوا ، وقيل: ليُشَبهوا ، { عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ } ؛ أي يُحِلُّوا ما حَرَّمَهُ اللهُ من الغارةِ والقتلِ في الشَّهرِ الحرامِ ، وإنما كان يفعلُ هكذا بنو كِنَانَةَ وربَّما كانوا يؤَخِّرون رَجَبًا ويبدِّلونَهُ صَفَرًا لتكون الشهورُ متواليةً ، وقولهُ تعالى: { زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ } ؛ أي حُسِّنَ في قُلوبهم قُبْحُ أعمالِهم من تحريمِ ما أحلَّ اللهُ ، وتحليل ما حرَّم الله ، قال الحسنُ: (زَيَّنَتْهَا لَهُمْ أنْفُسُهُمْ وَالشَّيَاطِينُ) { وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ } أي لا يُوَفِّقُهم مجازاةً لكُفرِهم. وَقِيْلَ: لا يَهدِيهم إلى الجنَّة والثواب.
قال ابنُ عبَّاس: (كَانَ النّاسِئُ رَجُلًا مِنْ كِنَانَةَ يُقَالُ لَهُ نُعَيم بْنُ ثعلبة وجنادةَ بنُ عَوْفٍ وَكَانَ يَقُومُ عَلَى النِّاسِ فيَقُولُ: ألاَ إنَّ آلِهَتَكُمْ حَرَّمَتْ عََلَيْكُمْ صَفَرَ الْعَامَ ، فَيُحَرِّمُونَ فِيْهِ الدِّمَاءَ والأَمْوَالَ وَيَسْتَحِلُّونَ فِي الْمُحَرَّمِ ، فَإذَا كَانَ مِنْ قَابلٍ نَادَى: ألاَ إنَّ آلِهَتَكُمْ حَرَّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمُحَرَّمَ الْعَامَ ، فَيُحَرِّمُونَ فِيْهِ الدِّمَاءَ وَالأَمْوَالَ وَيَسْتَحِلُّونَ صَفَرَ لِيُفِيدُواْ مِنْهُ) .
وفي بعضِ الرِّوايات: أنه كان يقولُ قبلَ هذا النداءِ: يا أيُّها الناس أنا الذي أعابَ ولا خابَ ولا مرَدَّ لِمَا قضيتُ ، فيقولُ له المشركون: لبَّيكَ ربَّنا ، ثم يسألونَهُ أن يُنسِئَهم شَهرًا فيقولُ: ألا إن صَفَرَ العامَ حلالٌ يريدُ به المحرَّم ، وربَّما يقولُ: حرامٌ ، فيحرِّمون المحرَّم صَفرًا ، وكان إذا قالَ الناسيءُ في المحرَّم: حلالٌ ، عقَدُوا الأوتارَ وشَدُّوا الأزجةَ واعلَموا السيوفَ وأغَارُوا على الناسِ ، وإذا قالَ: حُرِّمَ ، حلُّوا الأوتارَ ونزَعُوا الأزجة وأغمَدُوا السيوف.