فهرس الكتاب

الصفحة 3340 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـاذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } ؛ أي قال كفَّارُ مكَّة: هلاَّ نُزِّلَ هذا القرآنُ على رجلٍ من القَريتَينِ مكَّة والطائف ، وعَنَوا بالرَّجُلين إما الوليدَ بنَ المغيرةِ من مكَّة ، وإما أبا مسعودٍ الثقفيِّ من الطائفِ ، ظَنُّوا بجهلِهم أنَّ استحقاقَ النبوَّة إنما يكون بشَرفِ الدُّنيا مع اعترافِهم بأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مِن أرفعِهم نَسبًا.

فقالَ اللهُ تعالى ردًّا عليهم وإنكارًا لِمَا قالوا: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ } ؛ يعني النبوَّةَ التي هي مِن أعظمِ النِّعَمِ ، وذلك أنَّهم اعترَضُوا على اللهِ بقولِهم: لِمَ لَمْ ينْزِل هذا القرآنُ على غيرِ مُحَمَّدٍ ، فَبَيَّنَ اللهُ تعالى أنه الذي يقسِمُ النبوَّةَ لا غيرهُ.

قال مقاتلُ: (يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أبأَيْدِيهِمْ مَفَاتِيحُ الرِّسَالَةِ فَيَضَعُونَهَا حَيْثُ شَاؤُا) . فبيَّن اللهُ تعالى أنه لَمْ يجعَلْ أمرَ معايشِهم مع قلَّةِ خطرِ ذلك إلى رأيهم ، بل رفعَ بعضَهم فوقَ بعضٍ في الرِّزقِ ، وتلقاه شذ على ما تُوجبهُ الحكمةُ ، فقال تعالى: { نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } ؛ أي قسَمنا الرزقَ في المعيشةِ ، وليس لأحدٍ أن يتحكَّمَ في شيءٍ من ذلك ، فكيف نجعلُ أمرَ النبوَّة مع عِظَمِ قَدرهِ ورفعةِ شأنه إلى رأيهم ، قال قتادةُ في معنى (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ) : (تَلْقَى الرَّجُلَ ضَعِيفَ الْحِيلَةِ عَيَّ اللِّسَانِ وَهُوَ مَبْسُوطٌ فِي الرِّزْقِ ، وَتَلْقَاهُ شَدِيدَ الْحِيلَةِ بَسِطَ اللِّسَانِ وَهُوَ مُقَتَّرٌ عَلَيْهِ) .

وقولهُ تعالى: { وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ } ؛ يعني الفضل في الغنى والمال { لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا } ؛ أي ليستخدِمَ بعضُهم بعضًا ، فيُسخِّر الأغنياءُ بأموالهم الفقراءَ لِيلتَئِمَ قِوَامُ أمرِ العالَم ، وقال قتادةُ: (لِيَمْلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيَتَّخِذُونَهُمْ عَبيدًا وَمََمَالِيكَ) . والسِّخْرِيُّ بالكسرِ مِن الاستهزاءِ ، وبالضَّم من التسخيرِ.

وقولهُ تعالى: { وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ } ؛ أي وما خصَّكَ اللهُ به من النبوَّةِ خيرٌ لكَ مما يجمَعُون من المالِ. وَقِيْلَ: معناهُ: ورحمةُ ربكَ يعني الجنَّةَ للمؤمنين خيرٌ مما يجمَعُ الكفَّارُ من الأموالِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت