قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ } ؛ وذلك أنَّ موسى عليه السلام لَمَّا سقى لَهما ، رجَعَا إلى أبيهما سَريعًا ، فقالَ لَهما أبُوهُما: مَا أعْجَلَكُمَا ؟ قالتا: وجَدْنا رجُلًا صالحًا رَحِمَنا ، فسقَى لنا أغنامَنا ، فقال لإحداهُما: اذهَبي فادعِيه لِي ، فجاءتْهُ تَمشي مُستحيةً مشيَ مَن لا يعتادُ الدُّخولَ والخروحَ ، واضعةً كفَّها على وجهِها ، مُعرِضَةً من الحياءِ ، وكانت التي أرسَلَها أبوها إلى موسَى هي الصُّغرى منهما ، واسْمُها صُورَا ، قال عمرُ بن الخطَّاب في قولهِ تعالى: { فَجَآءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَآءٍ } : (وَاضِعَةً ثَوْبَهَا عَلَى وَجْهِهَا ؛ أيْ مُسْتَتِرَةً بكُمِّ ذِرَاعِهَا) . قال أهلُ اللُّغة: السَّلْفَعُ: الجريئة التي هي غيرُ مُستحِيَةٍ.
وقولهُ تعالى: { قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا } أي ليعطيكَ ذلك ، فلما قالت ذلكَ لِموسَى شُقَّ عليه قولُها ، وهَمَّ أن لا يتبعَها وكان بينه وبين أبيها مقدارَ ثلاثةِ أميَالٍ ، ثُم إنه لَم يجدْ بُدًّا من اتِّباعِها ؛ لأجْلِ الْجُهْدِ والجوعِ الذي حَلَّ به ولأجلِ الخوف الذي خرجَ لأجلهِ ، فانطلقَ معها ، وكانت الريحُ تضربُ ثوبَها فَنَكَّرَتْهُ برَدْفِها فتصفُ له عجيزتَها ، وكانت ذات عَجِزٍ ، فجعل موسَى يَغْضُّ بَصَرَهُ ويُعرِضُ عنها ، ثُم قال لَها: (يَا أمَةَ اللهِ كُونِي خَلْفِي ، وَانْعَتِي لِيَ الطَّرِيْقَ بقَوْلِكِ ، وَدُلِّينِي عَلَيْهَا إنْ أنا أخْطَأْتُ ، فَإنَّا بَنُوا يَعْقُوبَ لاَ نَسْتَطِيْعُ النَّظَرَ إلَى أعْجَاز النِّسَاءِ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَلَمَّا جَآءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } ؛ أي فلمَّا جاءَ مُوسَى إلى شُعيب إذ هو بالعَشَاءِ مُهَيَّأً ، فقالَ له شُعيب: مَن أنتَ ؟ قال: أنا رجلٌ من بَنِي إسرائيلَ مِن أهلِ مصر ، وحَدَّثَهُ بما كان منهُ من قَتْلِ القبطيِِّ وفرارهِ من فرعون ، فقال له شعيبُ: إِجلِسْ { لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } أي نجوتَ من فرعونَ وقومهِ ، فإنَّهم لا سلطانَ لَهم بأرضِنا ، ولَسْنَا مملكتَهُ.
فجلسَ معه موسى عليه السلام فقالَ له شعيبُ: هَاكَ فَتَعَشَّ ، فقال: أعوذُ باللهِ ، فقال له شعيبُ: ولِمَ وأنتَ جائعٌ ؟ قال: أخافُ أن يكون هذا عِوََضًا لِمَا سقيتُ لكم ، وإنَّا أهلُ بيتٍ لا يَبْغِ شيئًا من عَمَلِ الآخرةِ بملْئِ الأرِض ذهبًا ، فقال شعيبُ: لاَ وَاللهِ! ولكنَّها عادَتِي وعادةُ آبائي ، نُقْرِي الضَّيفَ ونُطعِمُ الطعامَ ، فجلسَ مُوسَى عليه السلام يتعَشَّى حينئذٍ.