فهرس الكتاب

الصفحة 3383 من 4495

وقوله تعالى: { فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَآءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَـاذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَّبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مْؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ } ؛ وذلك أنَّ الْمُشْرِكِينَ بَالَغُوا فِي إيْذاءِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ويَئِسَ مِنْ إيْمَانِهِمْ بهِ ودعَا عَلَيْهِمْ فَقَالَ:"اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرٍ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِيِّ يُوسُفَ".

فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَاتِ ، فَأَخَذتْهُم السَّنَةُ حَتَّى أكَلُوا الْجِيَفَ وَالْكِلاَبَ وَالْعِظَامَ الْمُحَرَّقَةَ مِنَ الْجُوعِ ، وَارْتَفَعَ الْقَطْرُ وَأجْدَبَتِ الأَرْضُ ، وَكَانُواْ إذا نَظَرُواْ إلَى السَّمَاءِ رَأوا دُخَّانًا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لِلظُّلْمَةِ الَّتِي غَشِيَتْ أعْيُنَهُمْ وأبْصَارَهُمْ مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ. ويقال: يَبسَتِ الأرضُ وانقطعَ الغيثُ.

والمعنى: فانتظِرْ يا مُحَمَّدُ يومَ تأتِي السَّماءُ بدُخَانٍ مُبينٍ ،"فَجَاءَ أبُو سُفْيَانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدٌ جِئْتَ تَأْمُرُنَا بصِلَةِ الرَّحِمِ وَإنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُواْ ، فَادْعُ اللهَ لَهُمْ ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ دَعَوْتُكَ فَأَجَبْتَنِي ، وَسَأَلْتُكَ فَأَعْطََيْتَنِي ، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيْثًا مَرِيًّا مَرِيعًا طَبَقًا عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ"، فَمَا بَرِحَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أنْزَلَ اللهُ الْمَطَرَ."

وَجَاءَ النَّاسُ يَشْتَدُّونَ وَقَالُواْ: الْغَرَقُ الْغَرَقُ ، فَقَرَأ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم { إنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ } فَكَشَفَ اللهُ عَنْهُمُ الشِّدَّةَ ، ثُمَّ عَادُوا إلَى الْكُفْرِ"فذلكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى } ؛ وذلك يومُ بدرٍ ، { إِنَّا مُنتَقِمُونَ } ."

وهذا التأويلُ إنما يستقيمُ على قولِ ابن مسعودٍ فإنه كان يقولُ: (خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخَّانُ وَالرُّومُ وَالْبَطْشَةُ وَاللِّزَامُ وَانْشِقَاقُ الْقَمَرِ) وكان يذهبُ إلى أنَّ البطشةَ الكُبرَى هي التي أصابَتْهُم يومَ بدرٍ ، وذلك أعظمُ من الجوعِ الذي أصابَهم بمكَّةَ.

وذهبَ بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المرادَ بالدُّخان في هذه الآياتِ: الدخَّانُ الذي يُنْزِلهُ اللهُ تعالى عندَ قيامِ الساعة ، ثم يغشَاهُم عذابٌ أليم بعدَ ذلك ، كما رُوي عن مسروقٍ أنه قالَ: (إذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَلَ دُخَّانٌ مِنَ السَّمَاءِ ، فَأَخَذ بأَسْمَاعِ الْكُفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأبْصَارهِمْ حَتَّى تَصِيرَ رُؤُوسُهُمْ كَالرَّأسِ الْحَنِيذِ ، وَيَأْخُذُ الْمُؤْمِنِينَ بمَنْزِلَةِ الزُّكَامِ) .

فعلى هذا القولِ يكون معنى قولهِ تعالى: { أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى } أي مِن أين لَهم الذِّكرَى ، أي مِن أين ينفعُهم إيمانُهم { وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ } في الوقتِ الذي كانوا مكلَّفين فيه ثُمَّ أعرَضُوا عن الإيمانِ به { وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ } أي هو معلِّمٌ يعلِّمهُ الجنُّ ، ويعترِضُون له. وَقِيْلَ: معناهُ: يعلِّمهُ بشَرٌ مجنونٌ بادِّعائهِ النبوَّةَ. ويكون معنى قولهِ: { إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ } أي عذابَ الدُّنيا بعد مجيءِ الرسولِ إلى وقت الدُّخان ، فمَهَّلَهُم لكي يتُوبُوا ، ولن يتُوبُوا.

والمرادُ بالبطشةِ الكُبرَى على هذا القولِ يومُ القيامةِ ، وأما على القولِ الأوَّلِ فقولهُ: { أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى } أي التذكُّر والاتِّعاظُ ، يقولُ: كيف يتذكَّرُون ويتِّعِظون ، وحالُهم أنه قد جاءَهم رسولٌ مُبينٌ ظاهرُ الصِّدقِ والدلالة ، { ثُمَّ تَوَلَّوْاْ عَنْهُ } أي أعْرَضُوا ولَمْ يقبَلُوا قولَهُ.

وقولهُ تعالى: { إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ } يعني عذابَ الجوعِ { قَلِيلًا } أي زَمَانًا يَسِيرًا ، قال مقاتلُ: (يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ إنَّكُمْ عَائِدُونَ فِي كُفْرِكُمْ وَتَكْذِيبكُمْ) وفيه إعلامٌ أنَّهم لا يتَّعِظُون ، وإنه إذا رُفِعَ عنهم العذابُ عادُوا إلى طُغيانِهم. قَوْلُهُ تَعَالَى: { يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى } أي واذكُرْ لَهم ذلك اليومَ ، يعني يومَ بدرٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت