فهرس الكتاب

الصفحة 2469 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ } ؛ أي لا تَفْضَحْنِي ولا تُهْتِكْ سَتْرِي يومَ القيامةِ ، يوم تبعثُ الخلقَ. وَقِيْلَ: معناهُ: ولا تعذِّبْني يومَ تبعثُ الخلائقَ ، وإنَّما قال ذلكَ مع علمهِ أنه لا يخزيهِ ، إمَّا على طريق التَّعَبُّدِ وإنا حَثًّا لغيرهِ على أن يقتدي بهِ في مِثْلِ هذا الدُّعاء.

ثُم فَسَّرَ ذلكَ اليوم ؛ فقال: { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ } ؛ أي لا ينفعُ ذا المالِ مالهُ الذي كان في الدُّنيا ، ولا ينفعهُ بَنُوهُ ولا يواسُونَهُ بشيءٍ مِن طاعتِهم ، ولا يحملونَ شيئًا من معاصيهِ ، وقولهُ تعالى: { إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } ؛ يعني من الشِّرْكِ والنفاقِ ، فإنه ينفعهُ سلامةُ قلبهِ. وَقِيْلَ: القلبُ السَّليمُ هو الصحيحُ وهو قلبُ المؤمنِ ، وقلبُ الكافرِ المنافقِ مريضٌ.

وقال أهلُ الْمَعَانِي في تفسيرِ هذه الآياتِ أقوالًا غيرُ هذه ، فقال بعضُهم: معنى { الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } [الشعراء: 78] أي الذي خلَقَني في الدُّنيا على فطرتهِ فهو يهدينِ في الآخرة إلى جنَّتِهِ ، وقولهُ تعالى { وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } [الشعراء: 79] أي يُطعِمُني أيَّ طعامٍ شاءَ ، ويسقينِي أيَّ شرابٍ شاءَ.

قال محمَّدُ بن كثير: (صَحِبْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ بمَكَّةَ ، فَكَانَ يَأْكُلُ مِنَ السَّبْتِ إلَى السَّبْتِ كَفًّا مِنَ الرَّمْلِ) . وعن الحجَّاج بن عبدِالكريم قالَ: (خَرَجْتُ مِنْ بَلَخَ فِي طَلَب إبْرَاهِيْمَ بْنَ أدْهَمٍ فَوَجَدْتُهُ بحِمْصَ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، فَلَبثْتُ مَعَهُ يَوْمِي ذلِكَ ، فَقَالَ: لَعَلَّ نَفْسَكَ تُنَازِعُكَ إلَى شَيْءٍ مِنَ الطَّعَامِ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ ، فَأَخَذ رَمَادًا وَتُرَابًا وَخَلَطَهُمَا وَأعْطَانِيَهُ فَأَكَلْتُهُ ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيَّ وَأنْشَأَ يَقُولُ: اخْلِطِ التُّرَابَ بالرَّمَادِ وَكُلْهُ وَازْجُرِ النَّفْسَ عَنْ مَقَامِ السُّؤَالِوقال أبو بكرٍ الورَّاقُ:(مَعْنَى يُطْعِمُنِي بلاَ طَعَامٍ ، وَيَسْقِينِي بلاَ َشَرَابٍ) يُشْبعُنِي رَبي وَيَرْوِيْنِي مِنْ غَيْرِ علاقة ، كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم:"إنِّي أبيْتُ يُطْعِمُنِي رَبي وَيَسْقِينِي". وقال عليُّ بن قادمٍ: (كَانَ عَبْدُاللهِ بْنُ أبي نُعَيْمٍ لاَ يَأْكُلُ فِي شَهْرٍ إلاَّ مَرَّةً! فَبَلَغَ ذلِكَ الْحَجَّاجَ ، فَدَعَاهُ فَأَدْخَلَهُ بَيْتًا وَأغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، ثُمَّ فَتَحَهُ ، وَلَمْ يَشُكَّ أنَّهُ قَدْ مَاتَ ، فَوَجَدَهُ قَائِمًا يُصَلِّي ، فَقَالَ: يَا فَاسِقُ أتُصَلِّي بغَيْرِ وُضُوءٍ؟! فَقَالَ: يَا حَجَّاجُ ؛ إنَّمَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ مَنْ يُخْرِجُ وَيَشْرَبُ ، فَأَنَا عَلَى الطَّهَارَةِ الَّتِي أدْخَلْتَنِي عَلَيْهَا هَذا الْبَيْتَ) ، وقال ذُو النُّونُ: (مَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: { يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ } [الشعراء: 79] أيْ يُطْعِمُنِي طَعَامَ الْمَعْرِفَةِ ، وَيَسْقِيْنِي شَرَابَ الْمَحَبَّةِ. ثُمَّ أنْشَأَ يَقُولُ: شَرَابُ الْمَحَبَّةِ خَيْرُ شَرَاب وَكُلُّ شَرَابٍ سِوَاهُ سَرَابُوقال أبو يزيدٍ البُسطَامِيُّ:(إنَّ للهِ شَرَابًا يُقَالُ لَهُ شَرَابَ الْمَحَبَّةِ ، إدَّخَرَهُ لأَفَاضِلِ عِبَادِهِ ، فَإذا وَصَلُواْ اتَّصَلُواْ ، فَهُمْ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيْكٍ مُقْتَدِرٍ) . وقال الْجُنَيْدُ: (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُرَاةً إلاَّ مَنْ لَبسَ لِبَاسَ التَّقَوَى ، وَجِيَاعًا إلاَّ مَنْ أكَلَ طَعَامَ الْمَعْرِفَةِ ، وَعَطَاشَى إلاَّ مَنْ شَرِبَ شَرَابَ الْمَحَبَّةِ) , وقولهُ تعالى { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } [الشعراء: 80] قال جعفرُ الصَّادِقُ: (إنِّي إذا مَرِضْتُ بالذُنُوب فَهُوَ يَشْفِيْنِي بالتَّوْبَةِ) . وقال بسطامُ بن عبدِالله: (إذا أمْرَضَتْنِي مُقَاسَاةُ الْخَلْقِ شَفَانِي بذِكْرِهِ وَالأُنْسِ بهِ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ } [الشعراء: 81] ، قال أهلُ المعرفةِ: يُمِيتُنِي بالعدلِ ويُحييني بالفضلِ ، يُمِيتُني بالمعصيةِ ويُحييني بالطاعةِ ، يُمِيتُني بالفراقِ ويُحييني بالتَّلاقِ ، يُمِيتُني بالجهلِ ويُحييني بالعقلِ ، يُمِيتُني بالخذلانِ ويُحييني بالتوفيقِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت