قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ } ؛ رُوي: أنه دخلَ على يوسُفَ بعدَ دخولهِ الخمسَ سنين عَبْدَانِ للملكِ ، وهو صاحبُ شرابهِ وصاحبُ طعامهِ ، غَضِبَ عليهما الملكُ ، واتَّهَمَ صاحبَ الطعامِ أنه يريدُ أن يَسُمَّهُ ، وصاحبَ الشَّراب بأنه مَالأَهُ على ذلك ، وذلك أنَّ أعداءَ الملكِ أرادوا الْمَكْرَ بالملكِ واغتيالهِ ، فطَلَبوا هذين وضَمِنُوا لهما مَالًا ليَسُمَّا طعامَ الملكِ وشرابَهُ ، فأبَى السَّاقِي وقَبلَ الخبَّازُ الرِّشْوَةَ فسَمَّ الطعامَ.
فَلَمَّا حضرَ وقتهُ قال السَّاقِي: أيَّها الملكُ لا تأكُلْ فإنه مسمومٌ ، وقال الخبازُ: أيُّها الملكُ لا تشرب فإنه مسمومٌ. فقال الملكُ للسَّاقي: اشْرَبْ ، فَشَرِبَ فلم يضُرَّهُ ، وقال للخباز: كُلْ من طَعامِكَ فأَبَى ، فجرَّبَهُ الملكُ على دابَّة فأكلت من الطعامِ فمَاتَتْ ، فأمرَ الملكُ بحبسِهما.
وكان يوسفُ قد قالَ لأهلِ السِّجن لَمَّا دخله: إنِّي أعَبرُ الأحلامَ ، فقال أحدُ هَذين القيمين لصاحبهِ: هلُمَّ فلنُجَرِّبْ هذا العَبْرَانِيَّ برُؤيا له ، فسأَلاهُ من غيرِ أن يكونا رأيا شيئًا. قال ابنُ مسعود: (مَا رَأيَا شَيْئًا إنَّمَا كَانَا تَحَالَمَا عَلَيْهِ لِيُجَرِّبَا عِلْمَهُ) .
وقال قومٌ: كانَا رأيَاها على حقيقةٍ ويقين ، فقالَ السَّاقي: أيُّها العالِمُ إنِّي رأيتُ كأنَّي في بُستانٍ وإذا بكُرَةٍ عليها ثلاثةُ عناقيد فجنَيُتها ، وكأنَّ كأسَ الملكِ بيدي فعصَرتُهم فيه وسقَيتُ الملكَ فشَرِبَهُ ، وقال الخبَّازُ: إنِّي رأيتُ كأنَّ فوقَ رأسي ثلاثَ سِلاَلٍ من خُبْزٍ وألوانِ الأطعمَةِ فإذا سِبَاعُ الطيرِ تَنْهَشُه.
وإنما سُمي العنبُ باسمِ الخمر لأن الشيءَ يُسمَّى بما يؤُولُ إليهِ ، وقال الضحَّاك: (الْخَمْرُ هُوَ الْعِنَبُ) بَعَيْنِهِ بلُغَةِ عُمَانَ ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قِرٍَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ (إنِّي أرَانِي أعْصِرُ عِنَبًا) . قال الأصمعيُّ: (أخْبَرَنِي الْمُعْتَزُّ أنَّهُ لَقِيَ أعْرَابيًا مَعَهُ عِنَبٌ ، فَقَالَ: مَا مَعَكَ ؟ قَالَ: خَمْرٌ) .
قَوْلُهُ تَعَالَى: { نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } ؛ أي أخبرنا بتفسيرهِ وتعبيره ، وما يؤولُ إليه أمرُ هذه الرُّؤيا ، { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } ؛ أي العالِمينَ الذين أحسَنُوا العلمَ. وَقِيْلَ: من الْمُحسِنين إلينا إنْ قلتَ ذلك وفسَّرتَ رُؤيانا. وعن الضحَّاك في قولهِ تعالى: { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } قال: (كَانَ إحْسَانُهُ إذا مَرِضَ رَجُلٌ فِي السِّجْنِ قَامَ عَلَيْهِ ، وَإذا أضَاقَ وَسَّعَ عَلَيْهِ ، وَإذا احْتَاجَ سَأَلَ لَهُ) . وقيل: إحسَانهُ أنه كان يُداوِي مَريضَهم ، ويُعزِّي حَزينَهم.
قال: (فَكَرِهَ يُوسُفُ أنْ يُعَبرَ لَهُمَا لَمَا عَلِمَ فِيْهِ مِنَ الْمَكْرُوهِ عَلَى أحَدِهِمْ ، فَأَعْرَضَ عَنْ سَؤَالِهِمَا وَأخَذ فِي غَيْرِهِ) و { قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا } ؛ أي لا يَأتِكُما طعامٌ تَطعَمَانِهِ وتأكُلانهِ إلاّ نبَّأتُكما بتفسيرهِ وَلَونهِ أيَّ طعامٍ أكلتمُوهُ ، قالاَ له: هذا مِن فعلِ الكَهَنةِ ، قال: ما أنَا بَكاهنٍ وإنما: { ذالِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ } .