فهرس الكتاب

الصفحة 536 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ } ؛ أي لا يستوِي في الفَضْلِ والثَّواب القاعدونَ عنِ الجهادِ من المؤمنين الأصحَّاء ؛ الذين لا ضَرَرَ بهم من المرضِ والزَّمَانَةِ ؛ ولا عُذْرَ يَمنعُهم من الجهادِ ، { وَالْمُجَاهِدُونَ } ؛ في طاعةِ الله بالإنفاقِ من أموالِهم والخروج بأنفُسِهم.

رويَ: أنَّهُ نَزَلَ أوَّلًا (لاَ يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللهِ) فَجَاءَ ابْنُ أمِّ مَكْتُومٍ وَرَجُلٌ آخَرُ مَعَهُ وَهُمَا أعْمَيَانِ ، فَقَالاَ: يَا رَسُولَ اللهِ ؛ أمَرَ اللهُ بالْجِهَادِ وَفَضَّلَ الْمُجَاهِدِيْنَ عَلَى الْقَاعِدِيْنَ ، وَحَالُنَا عَلَى مَا تَرَى ، فَهَلْ لَنَا مِنْ رُخْصَةٍ ؟ وَاللهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَجَاهَدْنَا ، فَأَنْزَلَ اللهُ { غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ } أي غير أولي الضرر فِي الْبَصَرِ ، فَجَعَلَ لَهُمْ مِنَ الأجْرِ مَا لِلْمُجَاهِدِيْنَ.

وروَى ابنُ أبي لَيْلَى ؛ قال: (لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ(لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللهِ) قَالَ ابْنُ أمِّ مَكْتُومٍ: اللَّهُمَّ أنْزِلْ عُذْري ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ { غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ } فَوُضِعَتْ بَيْنَهُمَا ، وَكَانَ بَعْدُ ذلِكَ يَغْزُو وَيَقُولُ: إدْفَعُواْ إلَيَّ اللِّوَاءَ ؛ وَيَقُولُ: أقِيْمُونِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ).

وعن زيد بن ثابت قال: (كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي ، وَقَدْ أمْلَى عَليَّ قَوْلُهُ: { لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } فَعَرَضَ ابْنُ أمِّ مَكْتُومٍ فَثَقُلَتْ فَخِذُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى فَخِذِهِ حَتَّى كَادَتْ تَنْحَطِمُ ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ { غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ } .

ومَن قرأ (غَيْرَ أوْلِي الضَّرَر) بالنصب فهو نصبٌ على الاستثناءِ ، كأنَّهُ قالَ: إلاَّ أوْلِي ، كما يقالُ: جاءَنِي القومُ غيرَ زيدٍ. ويجوزُ أن يكونَ على الحالِ ؛ أي لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ فِي حَالِ صِحَّتِهِمْ وَالمُجَاهِدُونَ ، وهذا كما يقالُ: جاءَنِي زيدٌ غيرَ مريضٍ ؛ أي صَحِيْحًا.

ومن قرأ (غَيْرُ) بالرفعِ ، فيجوزُ الرفعُ في استثناءِ الإثباتِ من النَّفي ، ويجوزُ أن يكونَ (غَيْرُ) صفةٌ للقاعدين ، وإنْ كان أَصلُ (غَيْرُ) أن تكونَ صفةً كما هو نكرةٌ. المعنى: لاَ يَسْتَوِي القاعدونَ الذي هُم غَيْرُ أولِي الضَّرَر والْمُجَاهِدُونَ في الفَضْلِ والثَّواب ، وإن كانوا كلُّهم مؤمنين.

واختارَ بعضُهم قراءةَ الرفعِ ؛ لأنَّ معنى الصِّفةِ على لفظةِ (غَيْرُ) أغلبُ من معنى الاستثناء ، واختارَ بعضُهم قراءةَ النصب لأن قولَه { غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ } نزلَ بعد قولهِ: (لاَ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سبيلِ اللهِ) فيكونُ معنى الاستثناءِ به ألْيَقُ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً } ؛ أي فَضِيْلَةً ومَنْزِلَةً ؛ { وَكُـلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى } ؛ أي وُكِلاَ الفريقين الْمُجَاهِدُ والقاعدُ وعدَهم اللهُ الْحُسْنَى يعنِي الْجَنَّةَ بالإيْمان. وفي هذا دليلٌ أنَّ الجهادَ فرضٌ على الكفايةِ ؛ لأنه لو كان فَرْضًا على الأعيانِ لَمْ يَجُزْ أن يكونَ القاعدُ عنه موعودٌ بالْحُسنى.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا } ؛ أي فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهدين على القاعدينَ عنِ الجهادِ بغيرِ عُذر ثوابًا حَسَنًا في الجنَّة ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: (أجْرًا) نُصِبَ على التَّفسيرِ. وقال الأخفشُ: (عَلَى الْمُقَدَّر ؛ تَقْدِيْرُهُ: آجَرَهُمُ اللهُ أجَرًا) .

والفائدةُ في تكرار لفظ التفضِيل: أنَّ في الأول بيانُ تفضيلِ مَن جاهدَ بالمال والنفسِ جميعًا ؛ وفي آخرِ الآية بيانُ تفضيلِ الْمُجَاهِدِ مُطْلقًا ، ويدخلُ فيه الْمُجَاهِدُ بالمالِ والنَّفْسِ ، والْمُجَاهِدُ بالمالِ دونَ النفس ، وبالنفس دونَ المالِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت