قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } ؛ اختلَفُوا في الخطاب الذي في أوَّل هذه الآيةِ ، قال بعضُهم: هو راجعٌ إلى الكفارِ ؛ لأنه تقدَّمَه قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا } [مريم: 70] ، وقالَ الأكثرون: هذا خطابٌ مبتدَأ لجميعِ الخلقِ ، ودليلهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّنَذَرُ } ؛ أي نُنْجِي مِن الواردينَ مَنِ اتَّقَى.
ثُم اخْتَلَفَ هؤلاءِ أيضًا في معنى الْوُرُودِ ، قال بعضُهم: هو الدُّخُولُ كما في قولهِ تعالى { فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ } [هود: 98] أي أدْخَلَهم النارَ ، وقالوا: إلاّ أنَّها تكونُ على المؤمنينَ بَرْدًا وسَلامًا ، واستدلُّوا بما روى جابرٌ رضي الله عنه: أنَّهُ أهْوَى بيَدَيْهِ إلَى أُذُنَيْهِ وَقَالَ: صُمَّتا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:"الْوَرُودُ الدُّخُولُ ، لاَ يَبْقَى بَرٌّ وَلاَ فَاجِرٌ إلاَّ دَخَلَهَا ، فَتَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ بَرْدًا وَسَلاَمًا ، كَمَا كَانَتْ عَلَى إبْرَاهِيْمَ ، حَتَّى أنَّ لِلنَّارِ ضَجِيْجًا بوُرُودِهِم"". وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلاَثةُ أوْلاَدٍ لَمْ يَلِجِ النَّارَ إلاَّ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ، ثُمَّ قَرَأ: { وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } "."
ومعنى القَسَمِ: أن أولَ هذه الآيةِ فيها إضمارُ القَسَمِ ؛ تقديرهُ: وَاللهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أحَدٍ إلاَّ وَارِدُهَا ، ورُويَ عن ابنِ مسعود أنهُ قال:"الصِّرَاطُ عَلَى مَتْنِ جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ ، تَمُرُّ عَلَيْهِ الطَّائِفَةُ الأُوْلَى كَالْبَرْقِ ، وَالثَّانِيَةُ كَالرِّيْحِ ، وَالثَّالِثَةُ كَالْجَوَادِ السَّابقِ ، وَالرَّابعَةُ كَأَجْوَدِ الْبَهَائِمِ ، ثُمَّ يَمُرُّونَ وَالْمَلاَئِكَةُ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ ؛ اللَّهُمَّ سَلِّمْ"
وعن أبي هريرةَ: أنَّهُ أوَى إلَى فِرَاشِهِ فَقَالَ: (يَا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي ، فَقَالَتِ امْرَأتُهُ مَيْسَرَةُ: إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ ، هَدَاكَ إلَى الإسْلاَمِ. قَالَ: أجَلْ ؛ وَلَكِنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ بَيَّنَ لَنَا أنَّا لَوَارِدُونَ النَّارَ ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أنَّا خَارجُونَ مِنْهَا) .
وقال بعضُهم: الورودُ هو الإشرافُ على النار بلا دخولٍ ؛ لأن موضعَ المحاسبةِ يكون قريبًا من النار ، وقد قَالَ اللهُ تَعَالَى: { وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ } [القصص: 23] ولَم يكن موسى دَخَلَ الماءَ ، واستدَلُّوا بما روي أن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قالَ:"لَنْ يَدْخُلَ النَّارَ - إنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى - وَاحِدٌ شَهِدَ بَدْرًا أو الْحُدَيْبيَةَ".
وعن مجاهدٍ أنهُ قالَ: (الْحُمَّى حَظُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النَّارِ) . فعلَى هذا مَن حَمَّ مِن المسلمينَ فقد وَرَدَهَا ، لأن الْحُمَّى مِن فَيْحِ جهنَّم.
"وعن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ عَادَ مَرِيْضًا مِنْ وَعَكٍ كَانَ بهِ ، فَقَالَ لَهُ:"أبْشِرْ ؛ إنَّ اللهَ يَقُولُ: هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النَّار"."
قال الزجَّاجُ: (وَالْحُجَّةُ الْقَاطِعَةُ عَلَى أنَّهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ النَّارَ قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ } [الأنبياء: 101-102] ) وهذهِ حُجَّةٌ لا معارضَ لَها.
قَوْلُهُ تَعَالَى: { كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا } ؛ الْحَتْمُ: القطعُ بالأمرِ ، والمقضيُّ هو الذي قَضَى بأنه يكونُ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَواْ } ؛ أي الذينَ اتَّقوا الشركَ وصدَّقوا ، { وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا } ؛ أي وَنَذرُ المشركينَ فيها جِثِيًّا على الرُّكب.