قَوْلُهُ تَعَالَى: { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } ؛ قرأ ابنُ عامرٍ ويعقوب: (فَزَّعَ) بفتح الفاء والزاي ، وقرأ غيرُهما بضمِّ الفاءِ وكسرِ الزاي. والمعنى: حتى إذا كُشِفَ الفزعُ والجزَعُ عن قلوبهم. ومَن قرأ بالفتحِ فالمعنى: حتَّى إذا كَشَفَ اللهُ الفزعَ عن قلوبهم.
واختلَفُوا في هذه الكتابةِ والموصُوفِين بهذه الصِّفةِ ، مَن هم ؟ ومَن النَّصَب الذي مِن أجلهِ فَزَّعَ عن قلوبهم ؟ فقال قومٌ: همُ الملائكةُ. واختلَفُوا في سبب ذلك ، فقال بعضُهم: إنَّما فَزَّعَ عن قلوبهم مِن غَشْيَةٍ تصيبُهم عند سَماعِ كلامِ الله عَزَّ وَجَلَّ.
قال عبدُالله بنُ مسعودٍ: (إذا تَكَلَّمَ اللهُ تَعَالَى بالْوَحْيِ ، سَمِعَ أهْلُ السَّمَاءِ صَلْصَلَةً مِثْلَ صَلْصَلَةِ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوَانِ ، فِيُصْعَقُونَ لِذلِكَ وَيَخُرُّونَ سُجَّدًا ، فَإذا عَلِمُوا أنَّهُ وَحْيٌ فَزَّعَ عَنْ قُلُوبهِمْ فَتُرَدُّ إلَيهِمْ ، فَيُنَادِي أهْلُ السَّمَواتِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا:(ماذا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبيرُ) .
وعن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ قال:"إنَّ اللهَ تَعَالَى إذا تَكَلَّمَ بالْوَحْيِ ، سَمِعَ أهْلُ السَّمَاءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفَا ، فيُصْعَقُونَ فَلاَ يَزَالُونَ كَذلِكَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ جِبْرِيْلُ ، فَيَقُولُونَ لَهُ: مَاذا قَالَ رَبُّكَ ؟ قَالَ: يَقُولُ الْحَقَّ".
وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"إذا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ، ضَرَبَتِ الْمَلاَئِكَةُ بأَجْنِحَتِهَا خُضُوعًا لِقَوْلِهِ ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ ، فَإذا فَزَّعَ عَنْ قُلُوبهِمْ ، قَالُواْ: مَاذا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُواْ: الْحَقَّ".
وقال صلى الله عليه وسلم:"إذا تَكَلَّمَ اللهُ بالْوَحْيِ ، أخَذتِ السَّمَوَاتُ مِنْهُ رَجْفَةً أوْ رَعْدَةً شَدِيْدَةً خَوْفًا مِنَ اللهِ تَعَالَى ، فَإذا سَمِعَ ذلِكَ أهْلُ السَّمََوَاتِ صُعِقُواْ وَخَرُّواْ سُجَّدًا ، فَيَكُونُ أوَّلُ مَنْ رَفَعَ رَأسَهُ جِبْرِيْلُ عليه السلام ، فَيُكَلِّمُهُ اللهُ مِنْ وَحْيهِ بمَا أرَادَ ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيْلُ بالْمَلاَئِكَةِ ، فَكُلَّمَا مَرَّ بسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلاَئِكَتُهَا: مَاذا قَالَ رَبُّنَا يَا جِبْرِيْلُ ؟ فَيَقُولُ جِبْرِيْلُ: قَالَ الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبيْرُ ، فَيَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَ جِبْرِيْلُ ، فَيَنْتَهِي جِبْرِيْلُ بالْوَحْيِ حَيْثُ أمَرَ اللهُ".
وقال مقاتلُ والكلبيُّ: (لَمَّا كَانَتِ الْفَتْرَةُ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم خَمْسُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ عَامًا ، فَلَمَّا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم كَلَّمَ اللهُ تَعَالَى جِبْرِيْلَ بالرِّسَالَةِ إلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ، فَسَمِعَتِ الْمَلاَئِكَةُ الصَّوْتَ بالْوَحْيِ ، فَظَنُّواْ أنَّهَا الْقِيَامَةُ قَامَتْ ، فَصُعِقُواْ مِمَّا سَمِعُواْ ، فَلَمَّا انْحَدَرَ جِبْرِيْلُ بالرِّسَالَةِ ، جَعَلَ أهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ يَسْأَلُونَهُ عَلَى وَجْهِ التَّعَرُّفِ بَعْدَ مَا انْكَشَفَ الْفَزَعُ عَنْ قُلُوبهِمْ ، قَالُواْ: مَاذا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالَ جِبْرِيْلُ وَمَنْ مَعَهُ: قَالَ الْحَقَّ) .
وَقِيْلَ: لَمَّا سَمعَتِ الملائكةُ الوحيَ صُعِقُوا فَخَرُّوا سُجَّدًا ظَانِّينَ أنَّها القيامةُ ، فلما نَزَلَ جبريلُ بالوحيِ انكشَفَ فزَعُهم فرَفَعُوا رُؤوسَهم ، وقال بعضُهم لبعضٍ: (مَاذا قَالَ رَبُّكُمْ ؟ قَالُواْ الْحَقَّ) يعنِي الوحيَ { وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } أي الغالبُ القاهر السيِّدُ المطاعُ الكبيرُ العظيم ، فلا شيءَ أعظمَ منهُ.
وقرأ الحسنُ (حَتَّى إذا فَزِعَ عَنْ قُلُوبهِمْ) بالعَينِ المعجمةِ والزَّاي بمعنى فَزِعَتْ قلوبُهم من الفزَعِ ، وذهبَ بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ قولَهُ { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } راجعٌ إلى المشرِكينَ ، فإنَّهم إذا شاهَدُوا أهوالَ يومِ القيامةِ غَشِيَ عليهم ، فيُزِيلُ اللهُ ذلك عن قلوبهم ، ثُم تقولُ لَهم الملائكةُ: مَاذا قَالَ رَبُّكُمْ في الدُّنيا والآخرةِ ؟ فيقولونَ: الْحَقَّ ، فأَقَرُّوا حين لا ينفعُهم الإقرارُ.