فهرس الكتاب

الصفحة 1039 من 4495

{ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ } ؛ أي عن الغَنَائِم ، { قُلِ الأَنفَالُ } ؛ الغنائمُ ؛ { للَّهِ وَالرَّسُولِ } ؛ الإضافةُ للغنائمِ إلى اللهِ على جهة التشريفِ ، والإضافةُ إلى الرسولِ لأنه كان بيانُ حُكمِها وتدبيرها إليه ؛ لأن الغنائمَ كانت كلُّها لهُ كما قال صلى الله عليه وسلم في وبَرَةٍ أخَذهَا سِنَامَ بَعِيرٍ مِنَ الْفَيْءِ:"وَاللهِ مَا يَحِلُّ لِي مِنْ فَيْئِكُمْ إلاَّ الْخُمْسُ ، وَالْخُمْسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ".

وَقِيْلَ: لِما سألوه عن الغنائمِ ؛ لأنَّها كانت حرَامًا على مَن قبلهم ، كما قال عليه السلام:"لَمْ تُحَلَّ الْغَنَائِمُ لِقَوْمٍ سُودِ الرُّؤُوسِ قَبْلَكُمْ ، كَانَتْ تَنْزِلُ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلُهَا"وإنما سُميت الغنائمُ أنْفَالًا ؛ لأن الأنفالَ جمعُ النَّفْلِ ، والنفلُ الزِّيَادَةُ ، والأنفالُ مما زادَهُ الله هذه الأُمة من الحلالِ ، والنافلةُ من الصَّلاةِ ما زادَ على الفرضِ ، ويقال لولدِ الولد: نافلةٌ ؛ لأنه زيادةٌ على الولدِ.

وعن ابنِ عبَّاس في سبب نُزول هذه الآيةِ: (أنَّ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم رَغَّبَ أصْحَابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ:"مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ كَذا ، وَمَنْ جَاءَ بأَسيرٍ فَلَهُ كَذا"فَلَمَّا هَزَمَ اللهُ الْمُشْرِكِينَ سَارَعَ الشَّبَابُ ، وأَقْبَلُواْ بالأُسَارَى ، وَأَقَامَ الشُّيُوخُ عِنْدَ الرَّايَاتِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَخَافَةَ أنْ يَغْتَالَهُ أحَدٌ مَنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَوَقَعَ الاخْتِلاَفُ بَيْنَهُمْ فِي اسْتِحْقَاقِ الْغَنِيمَةِ ، فَقَالَ الَّذِينَ ثَبَتُواْ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: قِيَامُنَا أفْضَلُ مِنْ ذهَابهِمْ ، فَلَوْ أعْطَيْتَهُمْ مَا وَعَدْتَهُمْ لَمْ يَبْقَ لَنَا وَلاَ لِعَامَّةِ أصْحَابكَ شَيْءٌ. وقَالَ الآخَرُونَ: نَحْنُ قَتَلْنَا وَأَسْرْنَا. وَكَانَ ذلِكَ مُرَاجَعَةً بَيْنَهُمْ وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَاكِتٌ لاَ يَقُولُ شَيْئًا ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَةَ) .

ومعناها يسألونَك عن الأنفال لِمَن هي ، ويجوز أن يكون (عن) صِلَةً في الكلامِ ، والمعنى يَسألونَكَ الأنفالَ التي وعدتَهم يومَ بدرٍ ، قلِ الأنفالُ للهِ والرسولِ ليس لكم فيها شيءٌ. قال عُبادة بن الصَّامت: (لَمَّا اخْتَلَفْنَا فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ وَسَاءَتْ أخْلاَقُنَا ، نَزَعَهَا اللهُ مِنْ أيْدِينَا وَجَعَلَهَا إلَى رَسُولِهِ وَقَسْمَهَا بَيْنَنَا عَلَى سواءٍ) . وَقِيٍْلَ: إنَّ التَّنْفِيلَ المذكورَ في هذه الآيةِ لروايةٍ غَلَطٍ وقعَ من الرَّاوي ؛ لأنه لا يجوزُ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم خَلْفُ الوَعْدِ واسترجاعُ ما جعلَهُ لأحدٍ منهم ، والصحيحُ: أنَّهم اختلَفُوا في الغنائمِ من غير تَنْفِيلٍ كان من رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ } ؛ أي اتَّقُوا مَعاصِيَهُ واحذروا مخالفةَ أمرهِ وأمرَ رسولهِ ، (وَأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ) أي كونوا مُجتَمعين على ما يأمرُكم به اللهُ ورسولهُ ، { وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ؛ في الغنائمِ وغيرِها ، { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } ، كما تَزعمونَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت