فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 4495

قَوْلُهُ تَعَالَى: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَاواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } ؛ معناهُ: { الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَاواْ } في الدنيا { لاَ يَقُومُونَ } في الآخرةِ من قبورهم لِعِظَمِ بطونِهم ، { إِلاَّ كَمَا يَقُومُ } في الدنيا الذي يضرِبُه ويصيبهُ { الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ } أي مِن الجنونِ. روي أنَّهم يُبعثونَ يوم القيامةِ وقد انتفخت بطونُهم كلَّما قامُوا سقطُوا والناسُ يَمشونَ عليهم وهم كالْمَجَانِيْنِ. قال الحسنُ: (هَذِهِ عَلاَمَةَ أكْلِ الرِّبَا ؛ يُعْرَفُونَ بهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَاواْ } ؛ ومعناهُ: كان الرجلُ إذا حلَّ مالهُ بعد الأجلِ طلبَهُ ؛ فيقول المطلوبُ: زدنِي في الأجل وأزيدُك في مالِكَ. فيفعلان ذلكَ ؛ فإذا قيلَ لهم: إن هذا ربَا ؛ قالوا: هُما سواءٌ ؛ والزيادةُ في آخرِ البيع بعد الأجلِ كالزيادة في أوَّلِ البيع إذا بعتَ بالنسيئةِ سواءٌ. وليس الأمرُ كما توهَّموا ؛ لأن الزيادةَ في الثمنِ في آخر البيعِ لأجْل الإبعاد في الأجَلِ بعدما صارَ الثمنُ دَينًا في الذمة يكون عِوَضًا عن الأجلِ ؛ والاعتياضُ عن الأجل باطلٌ ، وأما الزيادةُ في الثمنِ في أصل العقدِ فتكون مقابلةً للبيعِ ، ويجوزُ بيعُ المبيع بثمنٍ قليل وثَمن كثيرٍ.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَاواْ } ؛ أي أحلَّ الزيادةَ في أول البيعِ وحرَّم الزيادة في آخرهِ ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: { فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } ؛ أي فمن جاءه زَجْرٌ من ربهِ ونُهِيَ عن الرِّبَا فانتهَى فلهُ ما مضى من أكلهِ الرِّبَا قبل النهيِ ؛ أي لا إثْمَ عليهِ في ذلكَ ، وأمرُهُ فيما بقيَ من عمرهِ إلى اللهِ ؛ إنْ شاءَ عَصَمَهُ وإن شاءَ لَمْ يَعْصِمْهُ. وقيل: معناهُ: { فَلَهُ مَا سَلَفَ } أي لهُ ما أخذَ من الربا قبل التحريمِ ، { وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ } في المستأنفِ في العفوِ والتجاوز.

وإنَّما لم يقل: فَمَنْ جَاءَتهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبهِ ؛ لأن تأنيثَ الموعظةِ ليس بحقيقيٍّ ، فيجوزُ تذكيرهُ ويجوز أن ينصرفَ إلى المعنى ، كأنه قالَ: فمن جاءَهُ وعظٌ ونُهي من ربهِ عن الرِّبا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } أي من عَادَ إلى أكلِ الربا { فَأُوْلَـائِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا } دائمون إلى ما شاءَ الله. وقيل: معناهُ: مَن عادَ بعد النهي إلى قولهِ إنَّما البيعُ مثلُ الربا ؛ فأولئكَ أهلُ النار هم فيها مقيمون ؛ لأن مستحلَّ الربا كافرٌ لإنكارهِ آيةً مِن كتاب اللهِ تعالى.

وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنهُ قَالَ:"سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لاَ يَبْقَى أحَدٌ إلاَّ أكَلَ الرِّبَا ، وَإنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أصَابَهُ مِنْ غُبَارهِ"وعن عبدِالله بن مسعودٍ قال: (آكِلُ الرِّبَا وَمُؤَكِّلَهُ وَكَاتِبُهُ وَشَاهِدُهُ إذا عَلِمُواْ بهِ ؛ مَلْعُونُونَ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) . وقال صلى الله عليه وسلم:"الرِّبَا بضْعٌ وَسَبْعُونَ بَابًا ؛ أدْنَاهَا كَإتْيَانِ الرَّجُلِ أُمَّهُ".

والْخَبَطُ في اللغةِ هو الضربُ على غيرِ استواءٍ ؛ يقال: خَبَطَ البعيرُ إذا ضربَ بيدهِ. والْمَسُّ: الجنونُ ، يقال: رجلٌ مَمْسُوسٌ ؛ أي مجنونٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت