وَقَوْلَهُ تَعَالَى: { وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } ؛ اختلفُوا فيمَنْ نزلت هذه الآيةُ ؛ فقال عكرمةُ: (نَزَلَتْ فِي الَّذِيْنَ نَهَى اللهُ نَبيَِّهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ طَرْدِهِمْ ، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم إذا رَآهُمْ بَدَأهُمْ بالسَّلاَمِ وَقَالَ:"الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أمَرَنِي أنْ أبْدَأهُمْ بالسَّلاَمِ".
وقَالَ بانُ عبَّاس والكلبِيُّ: (لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ { وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ } [الأنعام: 52] الآيةُ ، جَاءَ عُمَرُ رضي الله عنه مُعْتَذِرًا مِنْ مَقَالَتِهِ ؛ فأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: { وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا } الَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَالقُرْآنِ { فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ } أي قَبلَ اللهُ مَعْذِرَتَهُمْ وَتَوْبَتَهُمْ) . ومعنى السَّلاَمِ: السلامةُ من جميع الآفاتِ.
وقيل: إنَّ اللهَ تعالى أمرَ نَبيَّهُ صلى الله عليه وسلم أنْ يُسَلِّمَ على المستضعفين إذا جاءُوا إليه ، وإنَّما أمرَهُ بأن يبدأهم بالسَّلامِ مع أن العادةَ أن يُسَلَّمَ على القاعدِ حتى يَنْبَسِطَ إليهم بالسَّلامِ عليهم ؛ لِئَلاَّ يحتشمُوا من الانبساطِ إليه. قال عطاءُ: (نَزَلَتْ فِي أبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَليٍّ وأَبي عُبَيْدَةَ وَبلاَلٍ وَسَالِمٍ وَمُصْعَب بْنِ عُمَيْرٍ وَحَمْزَةَ وَجَعْفَرَ وَعُثْمَانَ ابْنِ مَضْعُونٍ وَعَمَّار بْنِ يَاسِرٍ) .
وعن أنسِ بن مالكٍ رضي الله عنه قالَ: (أتَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رجَالٌ فَقَالُواْ: إنَّا أصَبْنَا ذُنُوبًا عَظِيمَةً كَبِيْرَةً ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله علليه وسلم ، فأَنْزَلَ اللهُ تعَالىَ: { وَإِذَا جَآءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } .
واختلفُوا في قوله: { سُوءًا بِجَهَالَةٍ } قال مجاهدُ: (مَعْنَاهُ: لاَ يَعْرِفُ حَلاَلًا مِنْ حَرَامٍ ، فَمِنْ جَهَالَتِهِ رَكِبَ الأََمْرَ) . وقيل: جاهلٌ بما يُورثُهُ ذلك الذنبُ. وقيل: جَهِلَ حين آثَرَ المعصيةَ على الطاعةِ ، واللذةَ اليسيرةَ الفانيةَ على الكثيرةِ الباقية الدائمةِ ، فعلى هذا يسمَّى مرتكبُ المعصيةِ جاهلًا.
واختلفَ القُرَّاءُ في قولهِ تعالى: { أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ } وقولهِ: { فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } فكسَرَهما جميعًا ابنُ كثير وأبو عمرٍو وحمزة والكسائيُّ وخلف والأعمشُ على الاستئناف. ونصَبَهما الحسنُ وابن عامر وعاصمُ ويعقوب بدلًا من الرحمةِ. وفتحَ نافعُ الأولَ على معنى: وَكَتَبَ أنَّهُ مَنْ عَمِلَ ، وكسرَ الثانِي على الاستئنافِ.