قَوْلُهُ تَعَالَى: { ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } ؛ يُذكِّرُهم اللهُ إنْعَامَهُ عليهم في دفعِ الأحزَاب عنهم من غيرِ قتالٍ ، وذلك: أنَّ الْكُفَّارَ جَاءُوا بأَجْمَعِهِمْ فِي وَقْعَةِ الْخَنْدَقِ ، وَأحَاطُواْ بالْمَدِيْنَةِ مِنْ أعْلاَهَا وَأسْفَلِهَا ، طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدِ الأَسَدِي وَأصْحَابُهُ مِنْ فَوْقِ الْوَادِي ، وَكَانَ أبُو الأَعْوَر السُّلَمِيُّ وَأصْحَابُهُ مِنْ أسْفَلِ الْوَادِي ، وَكَانَ أبُو سُفْيَانٍ وَأصْحَابُهُ وَيَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ فِي مُوَاجَهَةِ الْمُؤْمِنِيْنَ ، فَاشْتَدَّ الْخَوْفُ بالْمُؤْمِنِيْنَ وَزَاغَتْ أبْصَارُهُمْ ؛ أيْ مَالَتْ مِنَ الْخَوْفِ ، وَيُقَالُ: مَالَتْ أبْصَارُ الْمُنَافِقِيْنَ خَوْفًا مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِمْ. وكانَ الكُفَّارُ خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفًا ، وبَلَغَتْ قُلُوبُ الْمُسْلِمِيْنَ الْحَنَاجِرَ ؛ أيْ كَادَتْ تَبْلُغُ الْحُلُوقَ ، وَذلِكَ أنَّ شِدَّةَ الْخَوْفِ تَرْفَعُ الرِّئَةَ ، فترفعُ الرِّئَةُ القلبَ.
كما رُوي:"أنَّ الْمُؤْمِنِيْنَ قَالُواْ: يَا رَسُولَ اللهِ! قَدْ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ، فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:"قُولُواْ: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا ، يَكْفِيْكُهُمُ اللهُ تَعَالَى"فَأَرْسَلَ اللهُ عَلَى الْكُفَّار ريْحًا بَاردَةً مُنْكَرَةً شَغَلَتْهُمْ عَنِ الاسْتِعْدَادِ لِلحَرْب ، وَمَنَعَتْهُمْ مِنَ الثَّبَاتِ عَلَى الْمَكَانِ ، وَقَلَعَتْ خِيَامَهُمْ وَأكْفَأَتْ أوَانِيَهِمْ ، وَرَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ مِنْهَا فِي سَلاَمَةٍ ، وَلَيْسَ بَيْنَهُمْ إلاَّ مَسَافَةُ الْخَنْدَقِ ، وَكَانَ ذلِكَ إحْدَى مُعْجِزَاتِهِ عليه السلام كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم:"نُصِرْتُ بالصَّبَا ، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بالدَّبُور"".
قَوْلُهُ تَعَالَى: { إِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ } ؛ يعني الذين تَحَزَّبُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ الخندق ، وهم عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ وأبُو سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وبَنُو قُرَيْظَةَ ، { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا } ، وهي الصَّبَا ، أُرسِلَتْ عليهم حتى أكفَأَتْْ قدورَهم ونزعت فَسَاطِيْطَهُمْ ، وقوله: { وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا } ، يعني الملائكةَ ؛ { وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا } .
"ورُوي: أنَّ شَابًّا مِنْ أهْلِ الْكُوفَةِ قَالَ لِحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ: يَا أبَا عَبْدِاللهِ هَلْ رَأيْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ؟ قَالَ: (إيْ وَاللهِ لَقَدْ رَأيْتُهُ) قَالَ: وَاللهِ لَوْ رَأيْنَاهُ لَحَمَلْنَاهُ عَلَى رقَابنَا ، وَمَا تَرَكْنَاهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ ، فَقَالَ لَهُ حُذيْفَةُ: (يَا ابْنَ أخِي أفَلاَ أُحَدِّثُكُ عَنِّي وَعَنْهُ؟) قَالَ: بَلَى. قَالَ:(وَاللهِ لَوْ رَأيْتَنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ ، وَبنَا مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ مَا لاَ يَعْلَمُهُ إلاَّ اللهُ. قَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَصَلَّى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ ، ثُمَّ قَالَ:"ألاَ رَجُلٌ يَأْتِي بخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ رَفِيْقِي فِي الْجَنَّةِ ؟"فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنَّا أحَدٌ مِمَّا بنَا مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَالْجَهْدِ. ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللهُ ، ثُمَّ قَالَ:"ألاَ رَجُلٌ يَأْتِيْنِي بخَبَرِ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللهُ رَفِيْقِي فِي الْجَنَّةِ ؟"فَوَاللهِ مَا قَامَ مِنَّا أحَدٌ مِمَّا بنَا مِنَ الْجَهْدِ وَالْخَوْفِ وَالْجُوعِ. فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ أحَدٌ ، دَعَانِي فَلَمْ أجِدْ بُدًّا مِنْ إجَابَتِهِ ، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ ، قَالَ:"اذْهَبْ فَجِئْ بخَبَرِ الْقَوْمِ ، وَلاَ تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَرْجِعَ"."
قَالَ حُذيْفَةُ: قُمْتُ وَجَنْبَيَّ يَضْطَرِبَانِ ، فَمَسَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأسِي وَوَجْهِي ، ثُمَّ قَالَ:"اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ ، وَعَنْ يَمِيْنِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، وَمِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ تَحْتِهِ". قَالَ: فَانْطَلَقْتُ أمْشِي حَتَّى أتَيْتُ الْقَوْمَ ، وَإذا ريْحُ اللهِ وَجُنُودُهُ يَفْعَلُ بهِمْ مَا يَفْعَلُ ، مَا يَسْتَمْسِكُ لَهُمْْ بنَاءٌ ، وَلاَ تَثْبُتُ لَهُمْ نَارٌ ، وَلاَ يَطْمَئِنُّ لَهُمْ قِدْرٌ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذلِكَ ، إذْ خَرَجَ أبُو سُفْيَانَ مِنْ رَحْلِهِ ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ؛ مَا أنْتُمْ بدَار مُقَامٍ ، لَقَدْ هَلَكَتِ الْخُفُّ وَالْحَافِرْ وَأخْلَفَتْنَا بَنُو قُرَيْظَةَ ، وَهَذِه الرِّيْحُ لاَ يَسْتَمْسكُ لَنَا مَعَهَا شَيْءٌ ، وَلاَ تَثْبُتُ لَنَا نَارٌ وَلاَ تَطْمَئِنُّ قِدْرٌ. ثُمَّ عَجَّلَ فَرَكِبَ رَاحِلََتَهُ ، وَإنَّهَا لَمَعْقُولَةٌ مَا حَلَّ عِقَالَهَا إلاَّ بَعْدَمَا رَكِبَهَا.
فَقَالَ حُذيْفَةُ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَوْ رَمَيْتُ عَدُوَّ اللهِ فَكُنْتُ قَدْ صَنَعْتُ شَيْئًا ، فَأَوْتَرْتُ قَوْسِي وَأنَا أُرِيْدُ أنْ أرْمِيَهُ ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"وَلاَ تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَرْجِعَ". فَحَطَطْتُ الْقَوْسَ ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ:"مَا الْخَبَرُ ؟"فَأَخْبَرْتُهُ بذلِكَ ، فَضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ أنْيَابُهُ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ. ثُمَّ أدْنَانِي مِنْهُ وَبي مِنَ الْبَرْدِ مَا أجِدُهُ ، فَأَلْقَى عَلَيَّ طَرَفَ ثَوْبهِ ، وَألْزَقَ صَدْري ببَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي)"."