فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 4495

قوله عَزَّ وَجَلَّ: { وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } ؛ معناه: إنَّ الذين يَموتون منكم ويتركونَ نساءَهم من بعدهم ؛ ينتظرونَ في عدتِهن ؛ معنى { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } لا يتزوجنَ ولا يتزيَّنَّ في هذه المدةِ.

وقَوْلُهُ تَعَالَى: { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ } ؛ أي إذا انقضت عِدتُهن ؛ { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ } ؛ أي لا حرجَ عليكم في تركهنَّ بعد انقضاء المدة ليتزيَّن زينةً لا يُنكر مثلها ، ويتزوجنَ من الأكْفَاءِ ويفعلنَ كُلَّ معروفٍ. قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ } ؛ أي بما تعملون من الخيرِ والشر عالِمٌ يجزيكم به.

فإن قيل: (الَّذِيْنَ) اسمٌ موصول و { يُتَوَفَّوْنَ } { وَيَذَرُونَ } من صلته ، وجملته مبتدأ ؛ و { يَتَرَبَّصْنَ } فعلُ الأزواجِ لا فعلُ { الَّذِينَ } ولا فيه ضميرٌ عائد إلى { الَّذِينَ } ؛ فيبقى المبتدأُ بلا خبرٍ ، والمبتدأُ لا يخلو من خبر اسمًا كان أو فعلًا ؛ وليس من ذلك ها هُنا شيءٌ ؟ قيل: قال أبو العباسِ السرَّاج: (فِي الآيَةِ ضَمِيْرٌ تَقْدِيْرُهُ: أزْوَاجُهُمْ يَتَرَّبَصْنَ) لأن الفعلَ يدلُّ على الفاعل. وقال الأخفشُ: (تَقْدِيْرُهُ: يَتَرَبَّصْنَ مِنْ بَعْدِهِمْ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ) حتى يكون الضميرُ عائدًا إلى { الَّذِينَ } . وذكرَ الزجَّاج: أنَّ النُّونَ فِي قَوْلِهِ { يَتَرَبَّصْنَ } قَائِمٌ مَقَامَ الأَزْوَاجِ كِنَايَةٌ عَنْهَا لاَ مَحَالَةَ فَصَارَ كَالتَّصْرِيْحِ ، وهذا كما يُقال: الذي يَموت ويخلف ابنتين ترثانِ الثلثين ؛ معناه يرثُ ابنتاهُ الثلثين.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { وَعَشْرًا } ظاهرُ لفظِ العشر يتناول الليالي ؛ ألا تَرى أنه يقالُ للأيام: عشرةُ أيامٍ ؛ وإنَّما غلبَ لفظ التأنيث في الآية فقيل: (عَشْرًا) ؛ لأنَّ العرب تُقَدِّمُ الليلَ على النهار ويعدُّون أولَ كلِّ شهر من الليلة ؛ ألا تراهم يُصَلُّونَ التراويحَ إذا رأوا الهلالَ ويَدَعُونَها إذا رأوا هلال شوَّال. ومن عادتِهم أنَّهم إذا ذكروا أحدَ العددَين على سبيل الجمعِ أرادوا مثلهُ العدد الآخر ؛ كما قال تعالى في قصَّة زكريَّا عليه السلام: { قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا } [آل عمران: 41] وقالَ في موضعٍ آخر: { ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا } [مريم: 10] والقصةُ واحدة ، فعبَّر تارةً بالأيام عن الليالي ، وتارةً بالليالي عن الأيام.

ويقال: الحكمةٌُ في تقديرِ عدَّة الوفاة بأربعةِ أشهر وعشرٍ ما روي عن عبدِالله بن مسعودٍ أنه قالَ: [يُجْمَعُ خَلْقُ أحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِيْنَ يَوْمًا نُطْفَةً ، وَأرْبَعِيْنَ يَوْمًا عَلَقَةً ، ثُمَّ أرْبَعِيْنَ يَوْمًا مُضْغَةً ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيْهِ الرُّوحُ فِي عَشْرَةِ أيَّامٍ ، فَيُكْتَبُ أجَلُهُ وَرزْقُهُ وَأنَّهُ شَقِيٌّ أوْ سَعِيْدٌ] . فيجوزُ أنَّ الله قدَّر هذه في عدَّة الوفاة ؛ ليظهر أنَّها حاملٌ أو حائل.

واختلفوا في عدَّة الحاملِ ؛ فقال عمرُ وابن مسعودٍ وعبدالله بن عمرَ وأبو هريرةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: (أنَّ الْحَامِلَ تَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْعِدَّةِ إذَا وَضَعَتْ. وإنْ كَانَ زَوْجُهَا عَلَى السَّرِيْرِ) حتى قال ابنُ مسُعود: (مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ ، إنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت