فهرس الكتاب

الصفحة 675 من 4495

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ } ؛ أي ما المسيحُ إلاَّ رسولٌ من رُسُلِ اللهِ ، فإنَّ إبراءَ الأَكْمَهِ والأبرصِ ، وإتيانهِ بالمعجزات كما أتَى موسَى بالمعجزاتٍ ؛ أي الآياتِ ، وكما أتَى إبراهيمُ عليه السلام وغيرهما من الأنبياءِ ، فلو وَجبت عبادةُ الأنبياءِ لظهور المعجزاتِ عليه لوجبت عبادةُ سائرِ الأنبياء واتخاذُهم آلهةً بسبب المعجزات ، { وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ } ؛ أي كَثيرَةُ الصِّدق والتصدُّقِ ، وذلك أنَّ جبريلَ عليه السلام أتَاها فقالَ لها: إنَّمَا أنَا رَسُولُ رَبكِ ؛ فصدَّقَتْهُ ، كما قال تعالى: { وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا } [التحريم: 12] .

قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: { كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ } ؛ بيانُ أنَّهما كانا مُحدَثَين محتاجَين ، وهذا احتجاجٌ بيِّنُ على القومِ في أنه لم يكن إلَهًا ؛ لأنَّ اللهَ تعالى وَصَفَهُ في الآيةِ بصفاتٍ تُنافِي الآلهيَّة ، منها: أنَّهُ رسولٌ بعدَ أن لم يكُنْ ، ومنها: أنه كسائرِ الرُّسل فيما ظَهرت منه وعليه ، ومنها: أنه مولودٌ من أمٍّ ، ومنها: أنَّهما كَانا يعِيشان بالغداءِ كما يعيشُ سائر الآدميِّين ، وكيف يكون إلَهًا مَن تكون حياتهُ بالحيلةِ ولا يقيمهُ إلاّ أكلُ الطعامِ.

ومنها ما قالوا: إنَّ أكلَ الطعامِ في الآية كنايةٌ عن قضاءِ الحاجة ؛ لأن الذي يأكلُ الطعامَ لا بدَّ له من قضاءِ الحاجة. فكلُّ هذه الصفاتِ دلالةٌ على كونهِ عَبدًا مخلوقًا مربُوبًا مستحيلًا أن يكون إلَهًا قَديمًا ، تَعَالَى اللهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبيرًا.

قَوْلُهُ تَعَالَى: { انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ } ؛ أي انظُرْ يا مُحَمَّدُ كيف نبيِّنُ لهم العلاماتِ في أمر عيسَى أن لم يكُنْ إلَهًا ولا ابنًا له ولا ثالثَ ثلاثةٍ ، { ثُمَّ انْظُرْ } ؛ يا مُحَمَّدُ ، { أَنَّى يُؤْفَكُونَ } ؛ أي مِن أين يُصرَفون عن الحقِّ الواضح إلى الباطلِ.

وَالإفْكُ: هو الصَّرْفُ ، كلُّ شيء صَرَفْتَهُ فهو مأْفُوكٌ ، تقولُ: أفَكْتُهُ عَنْهُ أفَكَهُ إفكًا ، ويسمَّى الكذبُ إفْكًا ؛ لأنه يصرفُ عن الحقِّ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت